عشيّة دخول لبنان «المنطقة الحمراء» الانتخابية، التي لن يبقى فيها حتى 15 مايو صوت يعلو صوت المبارزات الانتخابية الصاخبة والحملات المحمومة، لاستنفار القواعد الناخبة وتحفيز الناخبين على الإقبال الكثيف على صناديق الاقتراع، لا تزال عيون كثيرين من اللبنانيّين موجّهة صوب الانتخابات الرئاسيّة الفرنسيّة وما أفرزته من نتائج، وذلك من بوّابة قناعتهم بأنّ العيون الفرنسيّة لا بدّ من أن تُبقي تركيزها على منطقة الشرق الأوسط، وللبنان الحصّة الأكبر من الاهتمام، معطوفةً على كوْن بلدهم كان حاضراً في مختلف الحملات الانتخابية الفرنسية، التي تقدّمها الرئيس المنتخب مجدّداً إيمانويل ماكرون.
اهتمام فرنسي
أمّا على المقلب المكمّل لهذه الصورة، فكلامٌ عن اهتمام فرنسي استثنائي بلبنان ما بعد انتخابات الرئاسة الفرنسيّة، ولا سيّما بعد إعادة انتخاب ماكرون لولاية ثانية ذلك أنّ الفرنسيّين، وبحسب إشارة مصادر معنيّة لـ«البيان»، سيعملون على تنظيم مؤتمر خاصّ بلبنان، وعقد جلسات حوار ومصالحة بين اللبنانيّين، بحثاً عن صيغة حلّ للأزمة القائمة. وقد يكون ذلك شبيهاً بـ«مؤتمر سان كلو» أو سواه، وفق ما يتردّد. وذلك، بالتزامن مع كوْن الكواليس السياسيّة بدأت تضجّ في مباحثات بشأن مرحلة ما بعد استحقاق 15 مايو الانتخابي، والمتمثل باستحقاق تكليف شخصيّة رئاسة الحكومة أوّلاً. علماً أنّ الجميع، وخصوصاً رئيس الجمهورية ميشال عون، يتحسّب لفترة ما بعد انتهاء ولايته في 31 أكتوبر المقبل، واحتمال ألا يُنتخب رئيس جديد للجمهورية، فتؤول الصلاحيات الرئاسية إلى الحكومة مجتمعةً.
وقائع وترقّب
ومن بوّابة الاستحقاقات اللبنانية المقبلة، ولا سيّما منها الرئاسيّة الخاضعة لتوازنات إقليميّة ودوليّة، ربطاً بالالتزامات التي يجب على لبنان تقديمها والتقيّد بها، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ الرئيس الفرنسي المنتخب مجدّداً، وفي سياق المسار الفرنسي ككلّ، أعطى لبنان اهتماماً استثنائياً، بوصفه نقطة متقدّمة لموطئ القدم الفرنسي، وساحة تحاور مع إيران ومع السعودية، ودولة مشاطئة للبحر الأبيض المتوسط، وفي جوار سوريا. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنّ اللبنانيّين يتعاطون بعاطفة استثنائية مع ماكرون، وخصوصاً لكونه قصد لبنان بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، واضطلع بمبادرات متعدّدة على طريق إخراجه من الأزمات، وكان آخرها، قبيل انتخابه مجدّداً، الالتفاتة الفرنسيّة - السعودية التي اخترقت المشهد المثقل بالتعقيدات، وتمثلت بالصندوق التمويلي المشترك لمشاريع «إنسانية - إنمائية - استشفائية - تربوية» في لبنان، بقيمة 72 مليون يورو، مرشحة لأن تزيد إلى 100 مليون يورو في وقت قريب، مناصفةً بين المملكة وباريس.
وفي ضوء هذه الوقائع، يبدو لبنان كأنّه يراقب مسار النتائج الفرنسيّة، ويترقّب إذا ما كانت متغيّرات ستطرأ على السياسة الخارجية الفرنسية، في ولاية ماكرون الثانية، فيما أسئلة كثيرة تُطرح في هذا المجال، بشأن ما إذا كان الفريق الذي شكّله ماكرون للاهتمام بالملفّ اللبناني سيتغيّر أم لا، وخصوصاً أنّ الأشهر السابقة شهدت تغييرات في صلاحيات الفريق الذي كان يدير الملفّ اللبناني، مع ما يعنيه الأمر من كوْن المرحلة الحالية، وبحسب تأكيد مصادر معنيّة لـ«البيان»، تفترض طرح تساؤلات عن احتمال بقاء رئيس المخابرات الخارجية برنار إيمييه في موقعه، وإذا ما كان سيستمرّ بيار دوكان في مواكبة ملفّ الإصلاح وتوزيع المساعدات، بالإضافة إلى استمرار المستشار في إيليزيه باتريك دوريل في مهامه.
وفي الانتظار، فإنّ ثمّة إجماعاً على أهميّة الموقف الفرنسي المتشدّد حيال إنجاز الاستحقاق الانتخابي في موعده الدستوري، معطوفاً على معلومات إعادة إطلاق المبادرة الفرنسية من جديد، بعد استحقاق 15 مايو المقبل، لفتح الطريق أمام «تسوية سياسيّة كبرى» شاملة، تبدأ بانتخاب رئيس جديد للجمهورية مع نهاية عهد الرئيس ميشال عون في 31 أكتوبر المقبل.
