ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل.. إلى أين وصل الملف؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

من خارج سياق كل الوقائع الداخلية، عاد ملف ترسيم الحدود البحرية الجنوبية ليتصدر المشهد اللبناني ويطفو على سطح الأحداث والمتابعات، وذلك من بوّابة تبدّد وتلاشي «التفاؤل الكبير» الذي عكسه لبنان بمسار التفاوض في شأنه، حتى أنّ المحلّل الاستراتيجي الأميركي ومؤسّس مركز «ميديست واير» للبحوث، نيكولاس نو، وبناءً على معطيات يمتلكها، اعتبر أنّ هذه المحادثات على «وشك الانهيار التامّ، ما قد يسفر عن عواقب وخيمة»، لافتاً إلى أنّ الوسيط الأمريكي لترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل آموس هوكشتاين «أساء فهم الجانب اللبناني»، فـ«باقتراحه مشاركة إسرائيل ولبنان في حقل قانا، دُفِنت أيّ صفقة تحت التراب».

كما تحدث نو، في مقالته، عن سيناريوهات ما بعد «انهيار المفاوضات» التي باتت مرجّحة، معتبراً أنّ الوضع الحالي «لا يوفّر إلّا نافذة ضيّقة» لإنشاء حدود بحريّة مستقرّة بين إسرائيل ولبنان.

وكان الاجتماع الذي جمع الرئيس ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه برّي ورئيس الوزراء نجيب ميقاتي، منتصف مارس الماضي، وخُصّص لدرس الاقتراح الذي طرحه الوسيط الأمريكي، خلال زيارته الأخيرة للبنان في 9 فبراير الماضي، خلص الى دعوة الولايات المتحدة إلى «الاستمرار في جهودها لاستكمال مفاوضات ترسيم الحدود البحريّة»، وذلك «وفقاً لاتفاق الإطار، بما يحفظ مصلحة لبنان العليا والاستقرار في المنطقة»، مرفقاً بالتشديد على أنّ هذا الملفّ «وطني بامتياز»، و«يجب أن يبقى بعيداً عن التجاذبات والمزايدات».

وبهذا المعنى، وبعد تضييع أكثر من سنة ونصف من الوقت، عاد لبنان إلى اعتبار «اتفاق الإطار»، الذي كان برّي أعلن التوصّل اليه في مطلع أكتوبر من العام 2020، أساساً للتفاوض في ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، مع ما يكتنف هذا الاتفاق من غموض.

وفي الانتظار، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ لموضوع النفط والغاز متمّمات إقليميّة ودوليّة، لا بدّ من ربطها بمسارات متعدّدة، أهمّها السياسة الدوليّة حول هذا الملف.

إلى ذلك، وبمعزل من كلام المحلّل الاستراتيجي الأمريكي، الذي لم يُستتبع بأيّ تعليق من وزارة الخارجية الأمريكية والسفارة الأمريكية في بيروت، يجدر التذكير بأنّ هوكشتاين، وبعد نحو 10 سنوات من التفاوض المتقطّع لترسيم الحدود البحريّة بين لبنان وإسرائيل، وبعدما رُفِعت الأسقف ورُسِمت الخطوط العالية، دخل حلبة التفاوض بينهما مجدّداً، مدفوعاً برسائل متبادلة تؤكد جهوزية الجانبين لاستئناف الجلوس، بمعيّته، إلى طاولة المفاوضات غير المباشرة.

ومن حينه، لا يزال الحديث متمحوراً حول «الموافقة الأميركيّة» على المطلب اللبناني بعدم التشارك مع إٍسرائيل في أيّ حقل نفطي وغازي، فضلاً عن تجاوز مسألة الخطوط في التفاوض راهناً وحصره بمسألة توزيع الحقول الذي يسهّل ترسيم الخطّ البحري، على أن يضمن أيّ اتفاق في هذا الصدد وضع آلية تنفيذيّة تصلح في حال تحقيق اكتشافات نفطيّة جديدة مستقبلاً.

وفي المحصّلة، ترك الوسيط الأمريكي لبنان بين خيارين: إمّا تلقّف مبادرة الخطّ المتعرّج بموازاة الخطّ «23» الذي يضمّ حقل «قانا»، وإمّا توقّف المفاوضات وعدم العودة إليها قبل سنوات.

وعليه، فإنّ ثمّة كلاماً عن إصرار أمريكي على إنجاز ملفّ الترسيم قريباً، ومن هنا، ارتفع منسوب التعويل الداخلي مجدّداً على عودة ملفّ «الترسيم» ليتصدّر المشهد ويطفو على سطح المتابعات، بقوّة دفْع أمريكيّة متجدّدة، سعياً لإعادة تزخيم قنوات التفاوض المقطوعة بين لبنان وإسرائيل منذ تعليق اجتماعات «الناقورة» تحت وطأة التباين في رسْم الخطوط والسقوف التفاوضيّة. أمّا في حال عدم تحقيق تقدّم في هذا الشأن، فكلام عن أنّ هوكشتاين قد ينسحب من الوساطة.

طباعة Email