الربيع شهر الخصب، يبدأ بدهشة النوّار.. دهشة تمس كل شيء، وكأنها سحر.. فالطيور تبني أعشاشها وتضع البيض.. الشجر يبدأ برمي طرحه، والنحل يبدأ بجمع الرحيق.. المواشي تلد صغارها وسط احتفال الربيع، والإنسان يدجّن كل شيء لما فيه خيره، ويستعد لاستخراج خبايا وكنوز الأرض.
وفي ريف فلسطين، بدأت تنهض مشاهد ربيعية خلابة، فتجد مدخل «الحوش» ذلك القوس الحجري القديم وقد تزيّن بشعره الأخضر، وفي الداخل أشجار لوز، وبواكير مشمش أخضر في يوم ندي، وفي الطريق إلى المرعى شوك برّي أخضر مع غُرّة بنفسجية، وعليه نحلة ربيعية صفراء منقّشة بالأسود، وعصفور يحط على شجرة برّية، ومزارع يركب حماره المُحمّل بعدّة الحراثة.
لم يعتد الناس قديماً، وربما لم يخطر ببالهم توفر ما يريدون من الثمار على مدار السنة، لكن هذه الوفرة كما هو معروف ضريبتها غالية، فهي على حساب النكهة دائماً، وعلى حساب الصحّة أحياناً. لكن رغم ذلك، ما زالت هناك بقايا للثمار البلدية ونبت الأرض الحلال، بما يتيح استرجاع شيء من ذكريات النكهة.
في قرية قراوة بني زيد شمال غرب رام الله، يفتتح عقبة فالح (أبو مهند) صباحه مبتهجاً بما تطرحه «الحاكورة».. هكذا يسميها.. «يا صبّاح يا فتّاح.. يا رزقة العيال» وهكذا يستهل يومه، وهو يقطف ويعرض تشكيلته الواسعة من خيرات الأرض، فالأخضر هو سيد الموقف في غلّة أبو مهند، وقوامها: الخس والجرجير والنعناع والبقدونس والفول الأخضر والشومر والزعتر والبصل الأخضر والفجل، والبروكلي الذي بدأ بزراعته حديثاً.
أبو مهند، يعمل مديراً لمدرسة قراوة وكفرعين الثانوية، لكنه أحبّ الأرض فأحبته، ولم يترك الزراعة والفِلاحة، وظل متمسكاً بحياة الريف، رغم العمران الواسع الذي بدأ يتململ في قريته، وبالتوازي مع وظيفته، وجد فرصته المثالية لتأهيل مساحة الأرض المحاذية لبيته، ويومياً، قبل أن يتوجه إلى مدرسته، يُبهر زملاءه المعلمين وطلابه وأهالي قريته، بخضرواته الطازجة، وهو دائم التشجيع لهم للإقبال على الأرض، واستغلال كل شبر فيها.
تعجّ صفحة أبو مهند الشخصية على «الفيسبوك» بالصور الجميلة لمزروعاته المختلفة، والنصائح الإرشادية للمزارعين، وتراه ينبض إيجابية وهو ينظم الأشعار ويتغنّى بخيرات الأرض، باعتباره شاعراً أيضاً، والمدير التنفيذي لمركز الديوان للثقافة والتراث في قريته، كما أنه خطاط بارع، وعضو في العديد من الاتحادات والمنظمات التي تعنى بالخط العربي، لكنه وقع في غرام الأرض، منذ أن تفتحت عيونه عليها، وتستهويه «البرّية» التي تعيد إلى ذاكرته المروج الواسعة، التي كان يزرعها الآباء والأجداد، بشتى أنواع الخضار والبقوليات.
لا يجني «الأستاذ عقبة» كما يناديه الأهالي، أرباحاً طائلة من مزروعاته، فالكمية «محدودة» وفق قوله، وغير مؤهلة للبيع بكميات كبيرة، لكنه حقق اكتفاء ذاتياً، سواء على مستوى الخضروات، أو المخلّلات التي يصنعها في بيته، وما يبيعه فقط هو عبارة عن «طلبيات» صباحية يتم حجزها مسبقاً، من قبل بعض الجيران، وعادة ما يرفقها بهدايا خضراء، ولكن لأن عطاء الأرض «فيه بركة» كما يقول، فقد تمكن من تعليم ثلاثة من أبنائه في الجامعات، ويفاخر بأن يده «مرزوقة» لأنها معجونة دوماً بتراب الأرض.
في حاكورة أبو مهند، شيء أقرب إلى كلام الحب العذب، فترى عود اللوز الأخضر، الحنّون يزيّن المساحات الخضراء، الأشجار اليانعة، كزهر اللوز أو أكثر، تراه يطاردها مثل نحلة تحطّ على حنّونها، مبتهجاً بهدية الطبيعة للإنسان، ويبدو كمن يؤدّي نشيداً بصرياً يُغري لاستحضار الشاعر الراحل محمود درويش إذ يقول: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
