بينما لعبة «شدّ الحِبال» على أشدّها بين أركان الحكم في لبنان، والعهد منهمك في أيّامه الأخيرة في عملية تحصين مواقع تيّاره وتعزيزها في مفاصل السلطة بمختلف أوجهها، تعويضاً عن خسائره النيابيّة المرتقبة، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ الوقائع اللبنانيّة، التي باتت تسبح بالكامل في مدار الاستحقاق الانتخابي، إضافة إلى انقطاع الأمل نهائياً في إجراء الإصلاحات المطلوبة، فرضت تعديلاً في سلّم الأولويّات الخارجيّة تجاه لبنان. وعليه، ووفق تأكيد مصادر مراقبة لـ«البيان»، تراجع زخْم المطالبات الدوليّة بإجراء الإصلاحات عمّا كان عليه الأمر قبل أسابيع، وصارت الأولويّة الخارجيّة منصبّة بالكامل على الاستحقاق الانتخابي في 15 مايو المقبل وضرورة إجرائه في موعده.
وعلى الطريق في اتجاه الاستحقاق الانتخابي، رسمت مصادر سياسيّة واسعة الاطلاع صورة قاتمة حيال الوضع اللبناني بقولها لـ«البيان» إنّ لبنان اليوم ليس موجوداً لا على الخريطة العربية ولا على الخريطة الدوليّة إلا من باب الانتخابات النيابية وضرورة إجرائها في موعدها. أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فيتّجه الواقع السياسي الداخلي إلى أوليّة الوقائع الانتخابية، التي احتلّت واجهة المشهد، وباتت ترخي بظلّها الثقيل على المساريْن التنفيذي والتشريعي في البلاد. ذلك أنّ كلّ الوقائع المرتبطة بتاريخ 15 مايو تؤشّر إلى معركة حتميّة، تحضّر لها الأطراف الداخلية على اختلافها، وتحت عناوين مختلفة ومتصادمة، بين قوى تخوضها معركة مصيريّة، وقوى تسعى إلى الحفاظ على أحجامها أو إلى تكبيرها، وقوى تسعى إلى كسْر أكثريات معيّنة للتربّع في موقع الأكثر تمثيلاً في الطائفة، وقوى تذهب بعيداً في وضع عنوان عريض لمعركتها، فحواه إحداث انقلاب جذري في الخريطة النيابيّة القائمة حالياً، وبلورة خريطة جديدة بموازين جديدة تعبّر عن تطلّعات الشعب اللبناني. أمّا على المقلب الآخر من الصورة، فلا يبدو أنّ لدى السلطة السياسيّة برمجة واضحة وثابتة لأولويّاتها في معالجة أزمات البلاد عبر خطة ثابتة وحازمة، بل أنّ العشوائية باتت تطبع سلوكيات أهل السلطة والمؤسّسات الدستوريّة أكثر فأكثر.
ووسط الانقسام السياسي المتمدّد على طول المشهد اللبناني وعرضه، والآخذ بالتوسّع أكثر فأكثر في الفترة التحضيريّة للاستحقاق الانتخابي في 15 مايو المقبل، فإنّ ثمّة إجماعاً على أنّ ما يقوم به العهد وتيّاره من حملات تصعيديّة تصاعديّة، في كافّة الاتجاهات السياسية والقضائية والمالية والمصرفية، يندرج ضمن سياق «حرب إلغاء انتخابية»، عبر انتهاج «خارطة طريق تدميرية» ترمي إلى دبّ الفوضى الشاملة في البلاد، توصّلاً إلى تقويض الاستقرار الأمني والاجتماعي اللازم لتأمين أرضيّة إجراء الاستحقاق النيابي في موعده المقرّر في 15 مايو المقبل. وعليه، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ كلّ ما شهده ويشهده وسيشهده اللبنانيون، في الأيام الفاصلة عن هذا الموعد، يؤكد السير في هذا الاتجاه، مرفقاً بجملة تساؤلات في هذا الشأن، ومنها: هل قرّر العهد أن ينتهج سياسة الأرض المحروقة؟ وما الهدف النهائي لهذه السياسة؟ أليس منع إجراء الانتخابات البرلمانية تحت حجّة الفوضى، ما يؤديّ حكماً إلى عدم إجراء الانتخابات الرئاسية، وبالتالي الوصول إلى فراغ سياسي ومؤسّساتي على كلّ المستويات؟ وفي حال نجح المخطط، ألا تكون ميليشيات حزب الله قد حققت ما تريده؟ فأيّ فراغ في الدولة ستملأه الدويلة حكماً أو الدولة الرديفة، وهو ما يحصل اليوم في عدّة قطاعات. فهل نشهد العام الجاري تحلّل الدولة نهائياً وسقوط الجمهورية اللبنانية؟
وعطفاً على ما تقدّم، كانت مشهديّة الأيام الأخيرة، وفق تأكيد مصادر سياسيّة متابعة لـ«البيان»، بالغة الدلالة في تظهير هذه الخلاصة، فمن جهة يتولّى فريق العهد مهمّة «هدم» ما تبقّى من أعمدة المؤسّسات الشرعيّة، ليواصل «حزب الله»، من جهة موازية، عملية ترسيخ «أعمدة» مشروعه فوق أنقاض الدولة المتداعية. وما بين الصورتيْن، ووفق المصادر نفسها، فإنّ المنزلق أصبح جاهزاً لانفجار غير واضح المعالم، مع ما يعنيه الأمر من كوْن البلد يعيش في سِباق مع الوقت، بين نضوج تسوية كبرى تنعكس داخلياً تسويات متعدّدة أو مرحليّة، أو الانحدار نحو انهيار شامل.
