رغم تعثر التفاوض بين إثيوبيا وكل من مصر والسودان بشأن سد النهضة، وإخفاق وساطة الاتحاد الأفريقي في إيجاد صيغة توافقية تضمن مصالح البلدان المتشاركة في النيل الأزرق، إلا أن أديس أبابا بدأت توليد الكهرباء من السد، وهو ما رفضته الخرطوم والقاهرة باعتباره إجراء أحادياً، وجوهر الرفض ومخاوف مصر والسودان تتركز بشكل أساسي حول عملية تبادل معلومات تشغيل السد.

 

في ظل قرب السودان الجغرافي من موقع سد النهضة الذي يبعد كيلومترات معدودة عن حدوده مع إثيوبيا، وحوالي 100 كيلومتر عن سد الروصيرص، يكون السودان الدولة الأكثر تأثراً إيجاباً وسلباً بالسد، حيث لم يخف مخاوفه من عملية تشغيل السد ذي السعة التخزينية التي تبلغ 74 مليار متر مكعب، باعتبار أن عدم توفر المعلومات التشغيلية يمثل خطراً على منشآته المائية على النيل، وهو ما جعله يرفض بشكل قاطع كل الإجراءات آحادية الجانب في كل ما يتعلق بملء وتشغيل السد، بحسب بيان صادر عن المتحدث الرسمي لفريق التفاوض السفير عمر الفاروق سيد كامل.

ويؤكد كامل أن ما تم اتخاذه من إجراءات، لا سيما الملء الأول والثاني والإجراء الأخير المتعلق ببدء تشغيل توربينات توليد الكهرباء، يتنافى مع روح التعاون ويشكل خرقاً للالتزامات القانونية الدولية لإثيوبيا، كما يخالف ما تم الاتفاق عليه بين الدول الثلاث في إعلان المبادئ.

ويعول السودان على دور أكبر للاتحاد الأفريقي تحت رئاسة دولة السنغال لدورته الحالية، إذ دعا المسؤول السوداني، في بيان، إلى تعزيز دور الاتحاد الأفريقي بما يمكن الأطراف من الوصول إلى اتفاق في إطار زمني محدد وبما يشمل تغيير منهجية التفاوض القائمة.

ورغم ما قوبلت به الخطوة الإثيوبية من صدى، إلا أن وزير الري السوداني السابق المهندس عثمان التوم قلل من تأثير بدء التوليد الكهربائي من سد النهضة على بلاده، وقال إن المخاوف السودانية تتركز بشكل أساسي حول عملية تبادل المعلومات بشأن البرنامج الإثيوبي الخاص بتشغيل السد، باعتبار أن السدود السودانية صغيرة وتعتمد على التصريف والإيراد اللحظي.

خطوة متوقعة

واعتبر التوم في تصريحات لـ «البيان» أن تدشين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد المرحلة الأولى من إنتاج الطاقة الكهربائية من سد النهضة يمثل خطوة ليست مفاجئة وإنما كانت متوقعة، إذ أجرى الجانب الإثيوبي اختبارات قبل حوالي الشهر على اثنين من التوربينات الرئيسية للسد، وأكد ما يتم توليده من التوربين الذي تم تدشينه يمثل أقل من 10% من طاقته الأساسية المحددة بـ375 ميغاوات، بما يعادل 1% فقط من التوليد الكلي لسد النهضة، مما يشير إلى أن قيمة بدء التوليد قيمة معنوية للحكومة الإثيوبية أكثر من كونها ذات تأثير كبير على الواقع.

ولفت إلى أن التوليد المائي لا يستهلك المياه بل يستخدم المياه، وكلما زاد التوليد من سد النهضة تدفقت المياه أكثر لسد الروصيرص في السودان وبقية السدود الأخرى، مشيراً إلى أن الكمية المخزنة خلال المرحلتين السابقتين من ملء سد النهضة حوالي 8 مليارات متر مكعب فقط، باعتبار أن المرحلة الثانية لم تكتمل، والتي كان محدداً أن يكتمل التخزين فيها 18 مليار متر مكعب.

مخاوف أساسية

غير أن المسؤول السوداني السابق والمختص في قضايا السدود يعد أن مخاوف السودان الأساسية تتمثل في عدم توفر المعلومات، خاصة وأن السدود السودانية صغيرة وتعتمد على التصرف والإيراد اللحظي مقارنة بسد النهضة في إثيوبيا والسد العالي في مصر، وقال إن السودان بحاجة لتفاصيل البرنامج الذي تريد إثيوبيا اتباعه في عملية التشغيل، وشدد على أن عدم وجود معلومات حول هذا البرنامج سيضع السودان في موقف حرج باعتبار أن سدود السودان تعمل على أساس المعلومات التي يستقيها بطرقه العلمية وليست معلومات البرنامج التشغيلي لسد النهضة.

وأضاف إن إثيوبيا لا تمد السودان بالمعلومات الكافية، فهم الآن يتحدثون عن 375 ميغاوات ويعلمون أنهم لن يولدوا هذه الكمية في هذه المرحلة، ولو أن السودان صمم برنامج تشغيل سدوده على ذلك الرقم ستنشأ مشكلة، لأن ذلك سيأتي بتدفقات كبيرة من المياه، لكن هذه التوربينة التي تم تشغيلها بشكل جزئي ستأتي بمياه قليلة، ما يتطلب أن يضع السودان تحوطاته لتفادي قلة المياه.

وحول كيفية تدارك السودان لأي مخاطر محتملة من عملية تشغيل سد النهضة، أكد عثمان التوم أن السودان لديه خبرة طويلة في إدارة السدود، ولديه أساليبه العملية التي يمكن أن يصل بها إلى المعلومات التي يريدها للتخطيط بشأن تشغيل سدوده، وكشف عن فريق من وزارة الري السودانية مهمته الأساسية المتابعة الفنية لتطورات البناء في سد النهضة، والإيراد اليومي الداخل على سد النهضة والخارج منه إلى السدود السودانية.

وخلال تدشينه المرحلة الأولى من إنتاج الكهرباء من سد النهضة، بعث رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد رسائل تطمين لدولتي المصب بأن بلاده لا ترغب في الإضرار بمصالح دولتي السودان ومصر، لكن تبقى هناك هواجس سودانية كبيرة بحسب الرشيد محمد إبراهيم أستاذ العلوم السياسية وعضو الفريق الاستشاري المعني بملف سد النهضة في السودان خلال حديثه لـ«البيان»، إذ يرى إبراهيم أن الفوائد والمصالح التي يمكن أن يجنيها السودان يمكن أن تتحول إلى مهدّدات باعتبار أن كل الأنظمة التي تعمل في بناء السدود وتشغيلها تحتاج إلى منظومة متفق عليها بين الدول المتشاركة في الأنهار والأحواض المائية.

ديمومة التعاون

ويشدد إبراهيم على أن الاتفاق القانوني الملزم هو الذي يضمن مصالح السودان، بحيث لا يمكن أن تترك مصالح السودان للأمزجة وللعواطف، ولذلك فإن السودان يصر على ضرورة إبرام اتفاق ملزم يعمل على ديمومة علاقات التعاون المشترك، لا سيما وأن هناك الكثير من الفوائد لسد النهضة يقر بها السودان، كما أن السودان قطعاً ليس ضد عملية بناء السد، بل إنه مستفيد منه باعتبار أن إثيوبيا المستقرة تخدم مصلحة السودان الذي يدفع فاتورة التوتر في إثيوبيا، لكنه أكد أن السودان يجب أن يحافظ على مصالح شعبه، لافتاً إلى أن عملية تشغيل السدود السودانية تحتاج إلى تبادل للمعلومات وفقاً لاتفاق ملزم حسب ما أقرته القوانين التي تنظم المجاري والاستخدامات في الأنهار، وهذه قضية محورية على حد قوله.

ويبرر عضو الفريق الاستشاري لوزارة الري السودانية، بأن رفض السودان لخطوة بدء إنتاج الكهرباء من سد النهضة سببه أن الخطوة جاءت بشكل آحادي، بما يخالف اتفاق التعاون الموقع في 2015 فيما يختص بإدارة وتشغيل سد النهضة. ويضيف إن «إدارة السد لا بد أن تكون مبنية على المنافع المشتركة، كما أنه لا يمكن عزل السودان عن إجراءات التشغيل التي تتأثر بها منشآته المائية بشكل مباشر».