فيما يواجه تداعيات التغير المناخي من كوارث تتزايد ونتائج تتفاقم، في ظل الارتفاع المطرد لحرارة الأرض، ثمة دول مساهمتها لا تكاد تذكر في التسبب بهذا التغير، في حين أنها تدفع الفاتورة الأعلى لتداعيات هذا التغير.

ويُنظر إلى الدول الأفريقية، كأكثر الدول التي تدفع ثمن التغير المناخي، لكنها لا تملك الموارد لمواجهة هذه المشكلة، حيث تشهد تناقصاً في الموارد المائية، يترتب عليه نزوح داخلي، وصراع على الأراضي الصالحة للزراعة والموارد الطبيعية، فيما تؤكد مصادر «البيان»، أن إجمالي التمويلات التي تحتاجها القارة في معركة المناخ، تصل إلى 100 مليار دولار، جلها مطلوب لتنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة. هذا يعني أن تحقيق العدالة المناخية، يقوم بالأساس على أن تتعامل الدول الأكثر تسبّباً للتغيرات المناخية، بمسؤولية، مع تلك التي تدفع الثمن.

تطرح قضية «العدالة المناخية»، نفسها، كواحدة من أهم القضايا المرتبطة بآليات مواجهة «التغير المناخي»، ذلك بالنظر إلى مفارقات يحملها هذا الملف، من بينها أن أكثر الدول المتأثرة بتداعيات التغيّرات المناخية، هي الأقل تسبباً في أزمة الاحترار العالمي، والأقل إنتاجاً للانبعاثات، علاوة على أن تلك الدول نفسها، لا تملك الموارد المالية اللازمة لمواجهة تداعيات تلك التغيرات. في الوقت الذي تواصل الدول الكبرى أنشطتها الصناعية.

تضع تلك المفارقة، الدول الكبرى أمام مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية، إزاء الالتزام بالتوصيات التي يمكن من خلالها الحد من التغير المناخي، مع تقديم الدعم المالي لمواجهة الآثار السلبية لهذا التغير على الدول النامية، وفقاً لمساهمتها في حجم الانبعاثات الحرارية، ومدى استفادتها الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، تشير ورقة بحثية، صادرة بالقاهرة، مطلع الأسبوع الجاري، إلى تلك المفارقة، فعلى سبيل المثال، دولة مثل الولايات المتحدة، تنتج أكثر من ربع الغازات المسببة للاحتباس الحراري منذ منتصف القرن الـ 18، بينما نسبة إنتاج القارة الأفريقية من هذه الغازات، لا يتجاوز 3 %، ما يكشف «غياب العدالة المناخية».

موارد محدودة

ويُنظر إلى الدول الأفريقية، كأكثر الدول التي تواجه تداعيات التغير المناخي السلبية، ولا تملك الموارد اللازمة لمواجهة هذه التداعيات.. ويبرز بموازاة ذلك، جزء من هذه التداعيات السلبية، في تناقص الموارد المائية لدول القارة، وما ينتج عنها من ظواهر النزوح الداخلي، والصراع على الأراضي الصالحة للزراعة والموارد الطبيعية.

وتقدر الورقة البحثية الصادرة عن مؤسسة ماعت للسلام والتنمية، والتي حصلت «البيان» على نسخة منها، إجمالي التمويلات التي تحتاجها القارة، بنحو 100 مليار دولار، لمواجهة تلك التداعيات، عبر تنفيذ مشروعات الطاقة النظيفة.

تقارير أممية

وتشير الورقة البحثية، إلى تقارير صادرة عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، بالتعاون مع معهد ستوكهولم للبيئة، تكشف عن وجود خطط، من شأنها زيادة إنتاج الوقود الأحفوري بحوالي 190 %، وذلك حتى عام 2040، بما لا يتوافق مع الأهداف المتعلقة بخفض الانبعاثات، من أجل الحفاظ على درجة الحرارة عند حد 1.5 درجة مئوية.

كما تشير تقارير الأمم المتحدة، المعنية بمراجعة الخطط الوطنية المتعلقة بخفض الانبعاثات، إلى أن الالتزامات الخاصة بالصين والبرازيل والهند، لا تزال دون المستوى المطلوب، كذلك الأمر في كل من روسيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وأستراليا، في ظل توقعات باستمرار إنتاج الفحم في الصين واستراليا وألمانيا، التي بدأت تطور خططاً من أجل استخراج الفحم من أجل التصدير.

وبالتالي، فوفقاً لواقع سياسات الدول المتقدمة، يمكن أن ترتفع الحرارة بواقع 2.7 درجة مئوية في نهاية القرن الحالي، ما يجعل العدالة المناخية في درجة الوهم، ولم تصل إلى درجة الحلم حتى الآن.

وبحسب الورقة البحثية، فإن صورة غياب العدالة المناخية، تتكشف في أنه ليس ثمة أي من الدول الأفريقية المساهمة في عملية الانبعاثات، سوى جنوب أفريقيا، وأنها ليست من المسهمين الرئيسين في هذا الصدد، كما أنه لا توجد أي من الدول في منطقة الشرق الأوسط أو الدول العربية، في الوقت الذي تتحمل فيه هذه الدول -في ظل أوضاعها وإمكاناتها الاقتصادية- نفقات وأعباء التكيف مع التغيرات المناخية التي لحقت بالعالم، على أثر السياسات التي تقوم بها الدول الكبرى، من أجل تسريع وتيرة التنمية الاقتصادية فيها، وهو الأمر الذي يمثل في جوهره أزمة العدالة المناخية.

مسؤولية تاريخية

وتشير الورقة إلى أن تحقيق العدالة المناخية، يقوم بالأساس على النظر في الدول التي تتحمل المسؤولية التاريخية عن التغيرات المناخية، وأن إسراف الدول المتقدمة في التصنيع، دون النظر إلى الآثار السلبية التي لحقت بالبيئة، تجعل من تلك الدول مسؤولة عن تقديم مزيد من الدعم، سواء مالي في صورة منح للدول النامية، التي تواجه هذا الخطر، دون أن يكون لها أي إسهام في التغيرات المناخية التي وقعت في العالم، أو في السياسات الفعلية، من أجل تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة، التي تزيد من الاحتباس الحراري.

مقايضة الديون

وفي إطار مقاربات تحقيق العدالة المناخية لدول الشرق الأوسط، تم طرح الآلية الخاصة بمقايضة الديون، مقابل العمل المناخي، والتي تقوم على تحقيق مصالح الطرفين (الدائن والمدين). ويستفيد طرفا هذه المقايضة، وفقاً لحسابات الأكثر تأثيراً في التغيرات المناخية، ذلك أن الطرف المدين، والذي يكون في الغالب أحد دول الشرق الأوسط، والتي يبقى تأثيرها محدوداً في التغيرات المناخية، حيث يتم إعفاؤها من دفع الكثير من فوائد الديون الخارجية، بحيث تستفيد من هذه الأموال في الانخراط في استثمارات، من أجل زيادة القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، الأمر الذي يسهم في الإسراع في تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، في سياق محاولات تعزيز الاقتصاد الأخضر المستدام.

أما الطرف الدائن، وهم عادة الدول المتقدمة، التي تسهم إلى حد كبير في إحداث الكثير من التغيرات المناخية على المستوى العالمي، فإنها يمكن أن تستفيد أيضاً من هذه العملية، من خلال زيادة إسهامها في المساعدات التنموية الخاصة بالتكيف مع التغيرات المناخية، بالإضافة إلى تقليل الآثار المتوقعة والناجمة عن تخلف عدد من الدول المدينة لديونها، الأمر الذي يسهم بطبيعة الحال في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول.

يعني ذلك، أن العدالة المناخية تتصل بتوزيع الأدوار على مستوى دول العالم، على تفاوت قدراتها ومستويات إسهامها في التغيرات التي تحدث في المناخ، على مدى فترات زمنية محددة، والتي يترتب عليها بالتبعية، تغيرات في مصائر الأفراد في مختلف دول العالم، على اختلاف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والإثنية.