تحولات هيكلية واسعة يشهدها الشرق الأوسط، في ظل تطورات جيوسياسية تتّسم بالسيولة والديناميكية، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات واسعة ومتباينة تفرض نفسها على مستقبل المنطقة وخارطة التحالفات، لا سيما في ظل سياسات مبنية على أساس الواقعية السياسية تعتمدها بعض دول المنطقة برؤى عقلانية بعيدة عن الثوابت الجامدة.

أي سيناريو ينتظر خارطة التحالفات العربية؟ وما مدى تأثير التحولات الهيكلية في المنطقة وحالة السيولة الراهنة على بنية التفاعلات في المنطقة؟

الواقعية السياسية

تعتبر إدارة السياسة الخارجية عملية مرتبطة بصورة أو بأخرى بالسياسة الداخلية، وبالتالي فإن ما شهدته المنطقة في الفترات الأخيرة من تحولات هيكلية (مبنية على أساس رؤى سياسية واقعية) في السياسة الخارجية لبعض الدول بالمنطقة يأتي في إطار رؤية القيادة السياسية بتلك الدول لمعادلة الاستقرار الداخلي، لا سيما في الفترة الحالية حيث تشهد المنطقة تحديات كبيرة متعلقة بمرحلة ما بعد جائحة كورونا ومحاولة رسم سياسة داخلية أكثر انفتاحاً على كثير من الملفات.

يتفق مع هذا الاتجاه خبير العلاقات الدولية الدكتور أكرم حسام، الذي يستدل بالإمارات كنموذج، إضافة إلى السعودية ومصر، وهي من أوضح ما يشهده ملف السياسة الخارجية فيها من تطوّرات، فالسعودية التي تشهد جملة من التحولات الداخلية الأساسية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، ما أفرز انعكاسات على سياستها الخارجية بصورة أو بأخرى، وهو ما ظهر في أكثر من ساحة أعيد فيها ترتيب العلاقات، والرؤية السعودية والإماراتية لبعض الملفات.

كما أن مصر من ضمن القوى الرئيسية التي شهدت نموذجاً لتلك التحولات، وبخاصة على المسار الاقتصادي، حيث ساعدت تلك التحوّلات على قيام الدولة بسياسة خارجية نشطة، ذلك أن الاستقرار الداخلي على المستويين السياسي والاقتصادي يشجع الدول على التحرك خارجياً بصورة أكبر، وهو ما تشهده الدول الثلاث بشكل واضح.

التفاعلات الدولية

ويتحدث خبير العلاقات الدولية لـ «البيان» عن التفاعلات الدولية وتأثيرها على بنية العلاقات الإقليمية، بالإشارة إلى أن العالم يشهد حالياً تحركات من القوى الكبرى الرئيسية (الولايات المتحدة وروسيا والصين)، من أجل إعادة بناء تفاهمات تحكم الفترة المقبلة، سواء التفاهمات بين روسيا وأمريكا فيما يطلق عليه «معادلة الاستقرار الاستراتيجي» والتفاهمات بين الولايات المتحدة والصين فيما يطلق عليها «حواجز الأمان»، بمعنى إعادة رسم خطوط حمراء بينهما في مناطق التقاطعات المشتركة، خصوصاً في آسيا والمحيط الهادي.

ومن الواضح أن هذا التوجه ستكون له انعكاسات مهمة ومباشرة على ترتيبات الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وفي القلب منها المنطقة العربية والخليج بشكل محدّد، ما سينعكس على أكثر من مسار، لتفرض تلك التفاهمات شكلاً من أشكال الاستقرار الإقليمي في بعض مناطق النزاعات.

هذا التوجه العام للقوى الكبرى، وبحسب خبير العلاقات الدولية، يعد «محاولة لخلق معادلة جديدة من الاستقرار في هذه المنطقة، من خلال تشجيع الحوار المشترك، وطرح مفاهيم جديدة خاصة بمحاولة إيجاد حلول لتلك القضايا، علاوة على أن تلك المعادلة الدولية تنعكس في ملف آخر مثل الملف الليبي، وهو ما رأيناه في توجهات الدول الكبرى للوصول إلى حالة أشبه بالاستقرار الهش».

وكذلك الحال بالنسبة للملف السوري، والتفاهمات التي حدثت في يونيو 2021 بين روسيا والولايات المتحدة خلال القمة التي جمعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي جو بايدن، وكان جزء مهم منها مرتبطاً بإدارة الصراع في سوريا، وهو ما ينعكس بدوره على عدد من الملفات الأساسية ضمن الملف، من بينها تقليص التواجد الإيراني وتشجيع الأطراف الداخلية على الحوار، وهو ما أتى بثماره في ملف الجنوب السوري على سبيل المثال، ومحاولات الحوار بين الحكومة السورية والأكراد، وملف المساعدات الإنسانية.

الأمن الإقليمي

يُستنتج من ذلك أن التفاهمات بين القوى الدولية الكبرى حول العالم والتي لها مصالح أساسية ومباشرة بمنطقة الشرق الأوسط والمنطقة العربية، ستقود إلى إعادة هندسة الأمن الإقليمي في المنطقة باتجاه الاستقرار النسبي، وهو ما سينعكس بدوره على اتجاهات الصراع في بعض الملفات المشتعلة مثل الملف الليبي والملف السوري واليمني وغيرها.

كما أن تلك التفاهمات ستقود إلى دور أكبر لقوى إقليمية رئيسية في إدارة التفاعلات في المنطقة كل حسب نطاقه الجغرافي، لا سيما الإمارات والسعودية ومصر، في ملفات الخليج واليمن والشام، وفي الملف الفلسطيني والليبي بالنسبة للدور المصري، من أجل الوصول لمعادلة ما من معادلات الاستقرار التي تتوافق بصورة أو بأخرى مع المعادلات الجاري رسمها حالياً على الساحة الدولية، بحسب أكرم حسام.

خارطة التحالفات

وفي تصور أستاذ العلوم السياسية بالقاهرة الدكتور عماد جاد، فإن التحالفات الراهنة صارت عرضة لأن تشهد تغيّرات حاسمة مرتبطة بالتفاعلات الدولية أولاً، والتفاعلات الداخلية ثانياً، لأن عدداً من الدول تتبع استراتيجية التركيز على مشكلاتها الداخلية ويدفعها ذلك لاتباع سياسة خارجية مختلفة ترضخ من خلالها لبعض الضغوطات، ودول أخرى تركز على الأمن والاستقرار والرخاء لشعبها، وبالتالي فهي ليست مستعدة على سبيل المثال أن تدفع ثمن مواقف عنترية كتلك التي تتخذها حركة حماس على سبيل المثال (تتبع تلك الدول رؤية عقلانية للمشهد، وتتعاطى في إطار مبني على أساس واقعي)، وهو ما يعيد في كل الأحوال خارطة التحالفات في المنطقة.

وفيما يخص التفاعلات الخارجية وتأثير اتجاهات القوى الدولية المرتبطة بالمنطقة على بنية العلاقات الإقليمية، يشير جاد لـ «البيان» إلى أن التأثير ربما يكون سلبياً في مجمله من وجهة نظره، لعدد من المعطيات الرئيسية، من بينها تراجع الاهتمام الأمريكي بالمنطقة لصالح قضايا وملفات أخرى، مشيراً إلى أن جزءاً رئيسياً من التفاعلات الجديدة ستعتمد في الأساس على مآلات مباحثات فيينا بشأن الملف النووي الإيراني، على اعتبار أنه حال الوصول إلى أي اتفاق غير مرض لأي طرف إقليمي فإن ذلك سيقود إلى اتجاهات أخرى مختلفة ومعادلات ومواقف ربما تشعل الأوضاع في المنطقة، ما يدفع دولاً بعينها للبحث عن موازن موضوعي للنووي الإيراني.

يقود ذلك إلى حالة من السيولة في المنطقة، تختلط معها التفاعلات وتتداخل، وربما تقود إلى انقسامات عربية لجهة رفض بعض الدول اتجاهات أخرى للتعامل مع تلك التفاعلات ومواجهتها، بما يعيد رسم شبكة التحالفات من جديد، وهو ما يقود إلى سيناريوهات متباينة، قد تمثل القمة العربية المقبلة انعكاساً مبدئياً لها.