بالدموع المخنوقة، وبكلمات أبيه المأثورة، ودّع رئيس وزراء لبنان السابق سعد الحريري اللبنانيين، الاثنين الماضي، بعد أن استقال من الحياة السياسية، معلّقاً نشاطه ونشاط تياره فيها، ومعلناً عدم القدرة على تحمّل تسويات إضافية. أمّا في المقلب الآخر من الصورة، فإن الكثيرين من الذين استمعوا إليه وشاهدوه بادلوا دمعة بدمعة، فيما قلّة لم تتعاطف معه.
وهكذا، يمكن اختصار المشهد الذي تلا قرار الحريري أنه انقسم بين «ساحتين» أساسيتين لخصوم وحلفاء، فيما لا تزال «ساحات» الشركاء الآخرين، خصوماً أو حلفاء أيضاً، ساكنة تلتزم الترقّب والتريّث.
وهكذا أيضاً قال الحريري كلمته ومشى، بعد أن ختم الباب السياسي الأزرق بشمع التعليق السياسي الأحمر، إلى حين أو حتى إشعار آخر، مودعاً في لبنان ألف سؤال وسؤال، وارتدادات اختلطت فيها الاعتبارات الوجدانية بالسياسية والخاصة بالعامة.
طينة أخرى
سعد الحريري هو في نظر محبيه الكثر «زعيم» من طينة أخرى، يعترف بأخطائه، ومتواضع إلى حدّ لا يتردّد فيه، خلال احتفال أو اجتماع، إلى أن يلتقط بنفسه صور «السلفي» مع الراغبين في التقاط صورة معه، كما أنه، وبحسب «أبو عماد»، الرجل البيروتي الثمانيني، يختزن في شخصه عناصر كثيرة من عناصر الكاريزما الشخصية، هو «قريب، ودود، غير مدّعٍ، ويتمتع بروح شبابية»، وهذه الصفات والمزايا جعلته قريباً كثيراً من الناس، بل جعلت صورته قريبة منهم ومحبّبة إليهم، فكيف إذا أضيفت إليها أيضاً أنه ابن رفيق الحريري، وعليه فإن ثمّة إجماعاً على أنه نجح مرة جديدة في أسْر قلوب اللبنانيين، إذ عرف كيف ينسحب من المعترك السياسي، المليء بالصغار، بأسلوب الكبار.
خلط الأوراق
وبلغة السياسة، كان الأمر مختلفاً، فالحريري أخلط أوراق المشهد السياسي في لبنان، وبداية هذه «الخربطة» ستتجلّى في الانتخابات البرلمانية في 15 مايو المقبل، بعد أن وضعها زعيم «المستقبل» على المحك، وهزّ عرش مواعيدها أو تحالفاتها، إنْ حصلت، وترك خلفه «محرومين» في كل دائرة انتخابية، وخصوصاً أن قراره وزّع الخسائر على الحواصل، وأربك الحلفاء، وصدم الخصوم، ومن هنا ارتفع منسوب التساؤلات عمّن سيملأ الفراغ، طالما أن الحياة السياسية تأبى الفراغ، وعمّا إنْ كانت القوى السياديّة قادرة على أن تشكّل البديل عن الحريري و«المستقبل»، أم أنّ «حزب الله» وحلفاءه سيتمدّدون أكثر، بعدما أزاح الحريري نفسه من طريقهم؟ وفي هذه الحال، ألا يكون الحريري قد قدّم خدمة ذهبيّة أخرى لـ«حزب الله» ولـ«قوى 8 آذار»، لكن بلا تسويات وتنازلات هذه المرّة؟
تطوّرات دراماتيكيّة
ومن بوابة هذه التساؤلات، استذكر الكثيرون 20 أكتوبر من العام 2004، يوم استودع رئيس الوزراء الأسبق للحكومة رفيق الحريري، بعدما قدّم استقالة حكومته وأرفقها بالاعتذار عن عدم الترشّح لتشكيل الحكومة الجديدة، وردّهما يومها إلى ما سمّاه «وقائع معروفة».
وبعد ذلك، حصلت تطوّرات دراماتيكيّة تُوِّجت باغتياله قبل 3 أشهر ونصف الشهر على الانتخابات النيابيّة، وبشطبه من الحياة السياسيّة، فيما شكّل دمه العامل الأساسي للانسحاب السوري من لبنان، وليس لإعادة الانتشار، كما نصّ «اتفاق الطائف»، وخلق ديناميّة سياسيّة تحت عباءة «قوى 14 مارس».
وبعد 18 عاماً و3 أشهر، ذهب الحريري الابن أبعد بكثير ممّا ذهب إليه والده، فشطب نفسه بنفسه من المعادلة، وفي الانتظار، يبقى السؤال معلّقاً حتى إشعار آخر: «أيّ مستقبل للبنان بعد أن ختم الحريري البيت الأزرق بالشمع الأحمر؟»
