بعد طول صبر وتريّث وتحسّب، كسر رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي حاجز الخشية والتأنّي، ووجه دعوة إلى مجلس الوزراء للانعقاد، بعد غدٍ الاثنين، للبحث في جدول أعمال من 56 بنداً، يتقدمها بند مشروع قانون الموازنة، وتليها سلسلة «موافقات على سبيل التسوية» عن القرارات الوزارية المتخذة طيلة فترة انقطاع مجلس الوزراء عن الالتئام، نتيجة الأزمة التي نشأت حول التحقيقات في قضية انفجار مرفأ بيروت، وتحديداً منذ 12 أكتوبر الماضي. أما على المقلب الآخر من الصورة، فكلام عن أن اجتماع الحكومة لن يؤدي إلى تغيير منظور في مسار الأزمة.
تعقيدات متشابكة
وعلى الرغم من الارتياح الذي يبديه الجانب الحكومي حيال الإفراج عن الحكومة وإعطائها تأشيرة العودة إلى استئناف جلسات مجلس الوزراء، إلا أن هذا الارتياح، وباعتراف مصادر حكومية لـ«البيان»، لا يرقى إلى التفاؤل الجدّي في إمكان سلوك مسار الانفراجات السريعة، في ظل التعقيدات المتشابكة المتراكمة على خط الأزمة.
أما إقرار الموازنة وخطة التعافي المالي والاقتصادي، وما يتصل بتحسين الأوضاع المعيشية، وبحسب المصادر ذاتها، فسيفتح الباب أمام انطلاق المفاوضات بين لبنان وصندوق النقد الدولي، بما يعمّم مناخات أولية من الإيجابيات التي تعوّل على هذه الخطوة، ذلك أن كل برامج التعافي والإنقاذ لن تجد لاستنهاض لبنان سبيلاً، ما لم تستنهض حكومته نفسها أولاً، فتلمّ شملها تحت سقف مجلس الوزراء لإقرار ما هو مطلوب منها، دولياً وعربياً، بغية إثبات جدية العمل باتجاه الإصلاح ووقف الهدر والفساد، توصلاً إلى استعادة ثقة الداخل والخارج على حدّ سواء.
وفي المحصلة، فإن ثمّة إجماعاً على أن السياسيين اللبنانيين يجيدون كل مرة اللعب على حافة الهاوية، وهم، قبل السقوط العظيم، يحاولون التقاط الأنفاس، إما تحت ضغط فقر الناس وجوعهم، وإما تحت ضغوط قد تكون أكبر وغير معلنة بعد، مع ما يعنيه الأمر في سجل حكومة نجيب ميقاتي التي، وبعدما كانت حكومة «معاً للإنقاذ» رسمياً، تحولت إلى حكومة «استعادة الثقة»، ولو بطريقة غير رسمية، وذلك في سياق الاستجابة للمطالب الداخلية والخارجية.
عودة الحريري
تزامناً، استقطبت الأنظار عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري المنتظرة من الحلفاء والخصوم إلى بيروت، أول من أمس، منهياً مسلسل التسريبات والتحليلات والتكهنات حول موعد عودته، ليطلق تالياً على أرض الواقع «النفير» الانتخابي، تحليلاً وتأويلاً وتخطيطاً لخارطة الترشيحات والتحالفات، في ضوء القرار المرتقب الذي سيتخذه ويحدد من خلاله مصير المعركة وشكلها في الاستحقاق النيابي المقبل في 15 مايو.
علماً أن الحريري بدا حريصاً على أن تكون صورة عودته الرسمية الأولى من السراي الحكومي، تلتها زيارة دار الإفتاء وضريح والده رفيق الحريري، مع ما يعنيه أمر هذه العودة التي عكست أبعاداً واضحة لثقله في ميزان زعامة الطائفة السنية، بمعزل عن ترجيح كفة عزوفه عن الترشح شخصياً للانتخابات. وعليه، ارتفع منسوب الكلام عن أن الفترة الفاصلة عن موعد إحياء ذكرى 14 فبراير ستكون أشبه بمرحلة «الهدوء الذي يسبق العاصفة»، لا سيما بعد أن يكون قرار الحريري قد أدى إلى حسم ورسم خريطة التوجهات الانتخابية في بيروت والمناطق، ترشيحاً واقتراعاً.
وهكذا، اختلطت التطورات السياسية والحكومية بالاستحقاق النيابي، في ضوء عودة الحريري إلى بيروت، وما رافقها من معلومات متضاربة حول موضوع ترشحه للانتخابات النيابية من عدمها، بعدما شاع خلال وجوده في الخارج أنه سيعزف عن هذا الترشيح.
ذلك أن غياب الحريري عن البلد، منذ نحو 4 أشهر، واكبته موجات غير مسبوقة من الاجتهادات والسيناريوهات المتخوّفة جدياً أو المثارة افتعالاً حيال هاجس اهتزاز عميق في الشارع السني خصوصاً، وهو الهاجس القائم على فرضية ترجيح انسحاب الحريري من المعترك الانتخابي.
