بعد انتفاضة شعبية عامة، يرى كثير من الجزائريين، أن محاربة الفساد باتت أولوية في البلاد، وأن استرجاع الأموال المنهوبة من فم وحش الفساد، أولى الأولويات. وقد جاء قرار تكليف الرئيس عبد المجيد تبون للحكومة، تحرّي مظاهر الثراء في أوساط موظفي القطاع العام، عملاً بمقولة «من أين لك هذا؟»، يأتي ضمن إجراء وقائي لمكافحة الفساد، في حيت تبعه قرار حكومي بتحديد مدونة إيرادات ونفقات الصندوق الخاص بالأموال والأملاك المصادرة أو المسترجعة، ما يعد بنظر مراقبين، دليلاً على جدية الحكومة في الحفاظ على المال العام، والوفاء بآمال الحراك الشعبي.
وكان الرئيس تبون، تعهّد قبل وصوله إلى الحكم وبعده، باسترجاع جميع الأموال التي نهبها وهرّبها رموز الفساد في عهد النظام السابق، مؤكداً تصميمه على استرجاع الأموال المنهوبة، ومعتبراً «أن محاربة الفساد واجب والتزام، قدّمه أمام الشعب»، وأن «الثغرات التي شهدتها مؤسسات الدولة، وما نجم عنها من تبديد للأموال، لن تتكرر مجدداً».
ويواصل تبون وحكومته، وضع أسس متينة، تجعل أموال الجزائريين خطاً أحمر، لا يمكن أن تمتد إليها أيادي الفاسدين. وجاء قرار إنشاء صندوق الأموال والأملاك المصادرة أو المسترجعة، بناء على توجيهات تبون، خلال ترؤسه للاجتماع الدوري لمجلس الوزراء، الذي عُقد في مايو الماضي.
الاتجاه الصحيح
وأجمعت فئات واسعة من اقتصاديين وسياسيين، على أن الأموال المنهوبة، تتعدّى 200 مليار دولار. وتنقل «إندبندنت عربية»، عن أستاذ الاقتصاد كمال بوراوي، قوله إن استحداث هذا الصندوق خطوة في الاتجاه الصحيح، على اعتبار أن مصادرة الأموال تتخللها إجراءات متشابكة، موضحاً أن تفشي الرشوة والفساد الإداري الموروث من العهد السابق، والنفوذ الكبير لأصحاب الشركات المشبوهة، يصعّبان التحكم بالأموال المصادرة، وكذلك ضبط وتقدير المبالغ التي تمت مصادرتها. ويرى أن لجوء الدولة إلى إنشاء صندوق خاص بالأموال والأملاك المنهوبة، يكشف عن الرغبة بالتحكم أكثر في إجراءات المصادرة التي وردت في الأحكام القضائية النهائية، المتعلقة بقضايا الفساد الكبرى.
إجراءات صارمة
ورغم تساؤل بعض الجزائريين عن مدى قدرة الهيئة المكلفة على الكشف عمن كوّنوا ثروات، وامتلكوا عقارات خلال فترة وجيزة، وبشكل غامض، والإجراءات التي يمكن اتّباعها للوصول إليهم، يؤكد آخرون أن اجتماع الحكومة الذي عقده تبون، في الثاني من يناير الحالي، وضع إجراءات قانونية صارمة، حيث تقرر استحداث «السلطة الوطنية العليا للشفافية والوقاية من الفساد ومكافحته»، وطالب تبون الحكومة بالتركيز على العمل الوقائي لمحاربة الفساد، بدءاً من تحديد شروط جديدة ودقيقة للإعلان عن الصفقات والمناقصات.
كما كلّف الرئيس الجزائري، الحكومة، بتسريع عملية الجرد النهائية لمصانع تعود ملكيتها إلى رجال أعمال في عهد النظام السابق، صادرها القضاء، إثر تحقيقات فساد، مع تعليمات تقضي بضرورة وضع الممتلكات المحجوزة تحت سلطة الدولة، وعودتها إلى الإنتاج قبل نهاية الربع الأول من العام الجاري.
وقد سُجن رئيسا وزراء من حقبة بوتفليقة، هما أحمد أويحيى، وعبد المالك سلال، إضافة إلى وزراء وولاة (محافظون) ورجال أعمال، إثر تحقيقات الفساد التي باشرها القضاء بعد الحراك الشعبي، في 22 فبراير 2019. وكُشف خلال ذلك عن اختلاسات بالجملة تحت غطاء مشاريع، في حين استفحلت مظاهر البذخ والثراء لدى الموظفين الحكوميين، بالتزامن مع «البحبوحة المالية».
