شهد اليومان الماضيان جدلاً واسعاً في الأوساط المصرية على أثر بيان صادر عن وزارة الخارجية الألمانية اعتبرته الدولة المصرية تدخلاً مرفوضاً في الشؤون المصرية، وهو الجدل الذي طُرحت معه تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين البلدين في المرحلة الحالية في ظل القيادة الألمانية الجديدة برئاسة المستشار أولاف شولتس.
تطورت العلاقة بين مصر وألمانيا بشكل لافت في عهد المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وفي ضوء العلاقات المبنية على أساس من الاحترام والتقدير المتبادل بينها وبين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تُرجم ذلك على الصعيد العملي بعديد من الاتفاقات الاقتصادية، مع حرص البلدين على تعزيز شراكاتهما الاستراتيجية على أساس المصالح المشتركة.
فيما جاء البيان الصادر عن الخارجية الألمانية ليطرح علامات استفهام حول طبيعة العلاقات في المرحلة المقبلة، وهو البيان الذي استبقت فيه برلين حكماً قضائياً من المتوقع صدوره في 20 ديسمبر بحق مجموعة من المتهمين، وقالت إنها «تتوقع أن تعمل الحكومة المصرية على تحقيق محاكمة عادلة وكذلك الإفراج عن المتهمين (..) لا يجوز معاقبة المحامين على ممارسة نشاطهم المهني»، بحسب نص البيان الذي تضمن أيضاً إشادة بالخطوات التي حققتها مصر في مجال حقوق الإنسان.
تدخل سافر
علقت القاهرة على البيان الذي أثار كثيراً من الجدل، واعتبرته -في بيان صادر عن الخارجية- ينطوي على تجاوزات غير مقبولة تشكل تدخلاً سافراً وغير مبرر في الشأن الداخلي المصري، ويُصادِر على مسار قضائي من دون دليل أو سند موضوعي. ودعت مصر الجانب الألماني بالنظر إلى التحديات الداخلية في ألمانيا «بدلاً من فرض وصايته على الغير».
وعن مستقبل العلاقات في ضوء التطورات الراهنة، يقول خبير العلاقات الدولية طارق البرديسي، لـ «البيان»: إن العلاقات بين البلدين تقوم بين مؤسسات، ومبنية على أساس المصالح المشتركة «كل طرف يحتاج الطرف الآخر.. فكما تحتاج القاهرة إلى الخبرات والتكنولوجيا والاستثمارات الألمانية، فإن برلين أيضاً تحتاج إلى مصر باعتبارها شريكاً استراتيجياً قوياً ورمانة الميزان في المنطقة وسوقاً كبيرة ومنفذاً لأسواق أكبر».
وبالتالي يرى أن «العلاقات بين البلدين أمامها مستقبل أكثر ازدهاراً في الفترة المقبلة»، موضحاً أن العلاقات القوية بين السيسي وميركل كانت مهمة لتمكين مزيد من العلاقات واتفاقات التعاون المشترك، لكن هذا لا يعني توقف العلاقات أو تأثرها في مرحلة ما بعد ميركل، لا سيما أن البلدين دولتا مؤسسات، والعلاقات تحكمها رؤى سياسية واقتصادية ومصالح تعاون مشتركة.
ويلفت خبير العلاقات الدولية في الوقت نفسه إلى الاتفاقات الاقتصادية والشراكات الاستثمارية بين مصر وألمانيا، مبرزاً الدور الذي تلعبه الشركات الألمانية في مصر، لا سيما في قطاع الطاقة (سواء الطاقة التقليدية أو الجديدة والمتجددة)، وكذلك الدور الذي تلعبه مصر بالنسبة لألمانيا، باعتبارها بوابة لأفريقيا وقلب العالم العربي النابض.
ثاني شريك
وتعتبر ألمانيا ثاني أكبر شريك تجاري بالنسبة لمصر من دول الاتحاد الأوربي. ويرى مراقبون أن مواطن الخلاف التي تجمع البلدين لن تؤثر على مسار العلاقات الثنائية في ضوء المصالح المشتركة التي تجمعهما، وذلك بالقياس على دول أخرى كانت لديها نفس التوجهات فيما يخص ملف حقوق الإنسان، فيما استمرت العلاقات الاستراتيجية على ما هي عليه على رغم اختلاف الرؤى في هذا الملف.
وطبقاً للبرلماني المصري مصطفى بكري فإنه لا يحق لوزارة الخارجية الألمانية أو غيرها التدخل في الشؤون الداخلية المصرية، مشيراً إلى أن البيان الصادر والذي ينتقد محاكمة بعض المتهمين في إحدى القضايا إنما يعكس غطرسة مرفوضة وإملاءات غير مقبولة. ولفت في الوقت نفسه عبر صفحته بموقع «تويتر» إلى أن البيان الصادر عن الخارجية الألمانية «لا يعكس طبيعة العلاقات التي تربط بين البلدين». وقال: «كنا نظن أن ألمانيا تعرف أن القضاء المصري نزيه ومستقل، وأن المتهمين ارتكبوا جرائم مؤثمة في حق البلاد، يعاقب عليها القانون».
مصر وألمانيا.. تساؤلات حول مستقبل العلاقات
