انضمّ لبنان، رسميّاً، إلى قائمة الدول المصدّرة للاجئين هرباً من البطش والبؤس والعوز، إذ تحوّل إلى «نقطة أساسيّة لانطلاقهم باتجاه أوروبا»، وفق تقرير أعدّته «أسوشيتد برس» ورصدت فيه محاولة «مئات اللبنانيّين الوصول إلى أوروبا هذا العام على متن قوارب من شواطئ بلادهم، بسبب الأزمة الاقتصادية المدمّرة التي وضعت ثلثَي سكان لبنان في براثن الفقر».
وبهذا المعنى، فإنّ حبْل «الهجرة الثالثة» بات «على الجرّار»، بالطرق غير الشرعيّة، كما الشرعيّة، حيث أكّد المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم العجز عن تلبية جميع طلبات الحصول على جوازات السفر، والتي بلغت نحو 8 آلاف جواز يوميّاً، وفق تأكيده، متجاوزةً قدرة المديريّة العامّة للأمن العام على طباعة الجوازات.
وفيما تواصل البلاد «هبوطها الحر» إلى قعر الانهيار، «يتطاير» أبناؤه في موجة هجرة جماعيّة، هي الثالثة في تاريخه، كما أورد مؤخراً تقرير مرصد الأزمة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وذلك على وقع ترجيح البنك الدولي استمرار تداعيات السقوط اللبناني في دوامة الانهيار على امتداد «عقديْن من الزمن». وعلى أرض الوجع، تجدر الإشارة إلى أنّ منظمة «الإسكوا» كانت دقت ناقوس الخطر، إذْ قدّرت أنّ نسبة 82 % من اللبنانيين فقراء.
واقع الانتظار
هذا التحذير لم يأتِ من العدم، بل اقتضاه فعل واقع الانتظار في بلد يواصل الانهيار، وكأنّ كلّ شيء معلّق على الوقت، فيما كل ما يُطرح من معالجات ليس أكثر من «مهدئات».
أما على المقلب الآخر من الصورة، فلا يزال أهل السلطة مستغرقين في حالة الانفصام عن واقع الناس، ويواصلون سياسة اللعب على حافة الهاوية. وإلى أن تقضي الأوضاع أمراً كان مفعولاً أو مؤجلاً، فإن الحكومة مقيدة بالتعطيل، والبلاد مطوقة بالانهيار، ولا تكاد تنطفئ أزمة حتى تشتعل أزمة أخرى. وبين كلّ هذه الفراغات، تغرق البلاد بين أمواج الميثاقية وهجرة الأدمغة، ليبقى الحكم في لبنان بلا دماغ.
ثمّة إجماع داخلي على أنّ الخراب السياسي والاقتصادي والمالي هو الذي يقف وراء «موجة الهجرة الثالثة» التي يعيشها لبنان حالياً، ويجعل نحو 77 % من أبنائه يفكّرون ويسعون للهجرة. وذلك، في ظاهرة فاقت بشراستها، أو وازت ما حدث عشية الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918).
حيث بلغ عدد المهاجرين من جبل لبنان وحده 330 ألفاً، وما فعلته الميليشيات في زمن الحرب الأهلية (1975 ـ 1991)، عندما هاجر بسببها وبسبب الضيق الاقتصادي نحو 990 ألف لبناني. أما السلطة الحاكمة اليوم، فتدفع عشرات الألوف إلى الهجرة، وكلهم من الشباب المتعلم، أو العائلات الميسورة التي ترفض تربية أولادها في بقعة محكومة بالتوتر والجوع والألوان الحالكة.
وذلك بحثاً عن أمن غذائي أو طبابي أو تعليمي أو لإيجاد فرصة عمل. وعليه، لم يعد ينافس لبنان في معدلات الهجرة، بحثاً عن فرص عمل، سوى دولتَي فنزويلا وزيمبابوي، ولم تعد صدفة أن تقارن التقارير الدولية بين البلدان الثلاثة، وصولاً إلى إعلان لبنان دولة فائزة بقصب السبق!.
