قبل أن تدق ساعة انتهاء العمل بالتوقيت الصيفي، وتعود عقارب الساعة 60 دقيقة إلى الوراء، «دقت» تنكة البنزين مجدداً بجيب اللبنانيين، عبر زيادة بلغت 60 ألف ليرة، فألهبت كلفة معيشتهم على أبواب الشتاء، من التدفئة إلى عودة المدارس، مروراً ببدل النقل، وحتى سعر ربطة الخبز، وكل السلع الأساسية، وباختصار، صار الحد الأدنى للأجور «بيسوي تنكتيْن بنزين.. وعيش يا لبناني»، وفق تعبير رب الأسرة الخمسيني أبو بلال لـ«البيان».
وتحت وطأة استمرار سياسة استنفاد المقدرات اللبنانية، ومن دون أي إنذار مسبق، وقع اللبنانيون فريسة جدول تسعير «صاروخي» للمحروقات، خرق سقف الـ300 ألف ليرة لصفيحة البنزين، ما يوازي «شفْط» نصف الحد الأدنى للأجور من جيوب اللبنانيين مقابل تعبئة «تنْكة» بنزين، وهو ما دفع العديد منهم إلى النزول إلى الشارع، وقطع الطرق في بيروت والمناطق، لا سيما منهم سائقو النقل العمومي، الذين تقطعت بهم السبل وانقطعت أرزاقهم نتيجة الارتفاع المتواصل أسبوعياً لأسعار المحروقات.
وأشارت بعض المعلومات إلى أن السعر قد يواصل التحليق إلى أجل غير معروف، وإلى سقف غير مسبوق، ذلك، أن النفط يرتفع سعره عالمياً، والدولار يرتفع سعر صرفه محلياً، أما الدولة المنهكة مالياً، فرفعت الدعم عملياً من دون أن تعلن ذلك كلامياً، فيما الوزارات المعنية غائبة عن السمع. وفي المحصلة، تلقى اللبنانيون ضربة جديدة، تمثلت في ارتفاع أسعار البنزين والمازوت والغاز وهم على أبواب فصل الشتاء، ما ألهب أوجاعهم في بلد مثخن بالجراح، في وقت أصبحوا فيه، فعلياً وحرفياً، متروكين من دون أي حماية اجتماعية، وهذه الحماية يُفترض أن يؤمنها مجلس الوزراء «المعطل» حتى إشعار آخر.
لا رقيب
وغداة ارتفاع صفيحة البنزين عن سطح الخراطيم 60 ألف ليرة، في «تسعيرة مجنونة» بمعدل يوازي نصف الحد الأدنى للأجور في الصفيحة الواحدة، ما سيسري تالياً على سائر المحروقات وعبوات الغاز، وسيهدد عائلات الجبال والأرياف، التي بدأ البرد يلفح قراها، ويسكن بين مدافئها، لم يخرج مسؤول أو نقابي يتحمل مسؤولياته المباشرة عن الأزمة: وزارة الطاقة عزلت محركاتها، الاتحاد العمالي العام حذر من أن سعر صفيحة البنزين قد يلامس الـ400 ألف ليرة، نقيب موزعي المحروقات لم يجد سوى استشراف «المستقبل المحروق»، فيما جبهات المعارضة والحراك المدني ورموز «انتفاضة 17 أكتوبر»، فدخلوا صومعة الإعداد للانتخابات البرلمانية، لكن إذا استمرت وتيرة الارتفاع على حالها، فـ«لن يبقى شعب يذهب إلى صناديق الاقتراع»، وفق قول الثلاثينية منى لـ«البيان». أما في حال صمد الشعب، فلن يكون بإمكانه أن يتحرك، وسيجري عزله في المنازل، بعد أن يتعذر الوصول إلى صناديق الاقتراع، وفق تعبيرها.
تغييب قسري
وعلى منصة حكومة «معاً للإنقاذ»، فإنها لم تتمكن حتى اليوم من استعادة مشهدها الجامع وزارياً، نتيجة التغييب القسري لاجتماعاتها تحت طائل تهديد «الثنائي الشيعي» بمقاطعة الجلسات، ورهنه استئناف العمل الحكومي بـ«قبْع» المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، واستعاضت الحكومة عن ذلك باجتماعات حكومية «بالمفرق» بين السراي الحكومي ومقر إقامة رئيسها نجيب ميقاتي، وذلك، تزامناً مع إصابة إدارات الدولة بالشغور المفاجئ، بفعل عدم قدرة الموظفين على الالتحاق بأعمالهم، نظراً إلى أزمة المشتقات النفطية، وارتفاع أسعار التنقلات، لا سيما في بيروت.
