«كل الحياة تعب، والموت نهاية كل تعب».. لم يجد الحاج مصطفى، وابتهاج، والدا الشاب اللبناني، إبراهيم حرب، ما يهوّن عليهما من مصابهما سوى ترديد هذه العبارة، ودّعا فلذة كبدهما و«رئة البيت» كما يسميانه، بعد معاناة استمرت 14 شهراً، كُتبت آخر فصولها في مشهد حزين اجتر كل ذكريات انفجار مرفأ بيروت. رحل إبراهم مأسوفاً على شبابه بعد 14 شهراً قضاها في سرير بارد، مخلفاً عائلة مفجوعة وخطيبة لم تشأ لها الأقدار لبس فستان الفرح.

طمس الحقيقة

وفي ذروة تكاتف بعض أركان السلطة لوأد العدالة تحت أنقاض مسرح الجريمة، لم يستفق إبراهيم من غيبوبته، ولم يتسنَّ له رفع صوته، مع من رفعوا أصواتهم أمام قصر العدل، وسط تأكيد بأنّهم لن يتراجعوا، ولسان حالهم لا يزال هاتفاً: «خسرنا أبناءنا، ولن نقبل دفنهم مرتيْن»، فيما أغمض إبراهيم مطمئناً إلى أن لا حصانة إلا للدم.

وعلى عتبة الشهر الـ 15 لـ«فاجعة بيروت» وسقوطها في بركة دماء، ترثي أم إبراهيم ابنها وتردّد على مسامع الجميع: «لا يحترق بالجمرة إلّا من وطأها». سكن اليأس إبراهيم وعائلته طوال 420 يوماً إلى أن فاضت روحه إلى بارئها، دون أن يشاهد محاسبة، بل حصانات غلبت القضاء. شُيّع ابن محلّة الأشرفيّة من جامعها لمثواه الأخير، تاركاً كرسيه في الحي فارغاً، فيما تربّعت صورته في أول الشارع.

رقم جديد

غادر الشاب الثلاثيني مكتب المحاسبة الذي كان يعمل فيه لسنوات وسط بيروت، واستحال رقماً جديداً على لائحة «ضحايا النترات»، وانضمّ لقائمة طويلة من ضحايا انفجار المرفأ، اغتيال عاصمة وانهمار شلالات دماء، سقوط البيوت على سكانها، تطاير جثث وتبعثر عائلات.