00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ريبورتاج

عِرسال حاضنة اللجوء السوري في لبنان

هي بلدة الـ 40 ألف نسمة، ممّن «نسيتهم» الدولة هناك في سفح سلسلة جبال لبنان الشرقيّة.. بلدة لطالما تفاخرت بأبنائها، الذين حوّلوا الجبال الجرداء المحيطة، إلى مقالع تزيّن بجودة حجرها وجماله بيوت لبنان، من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه.

أمّا من لم يشتغل بالصخر ومقالعه ومناشره منهم، فاستصلح ما تيسّر من أراضي الجرْد، وحوّلها إلى بساتين تثمر كرزاً فريداً، ومشمشاً نادراً، وتفاحاً كقلب الصباح..

وما بين المقالع والبساتين، هناك من اختار قطاع «التجارة الحدوديّة»، التوصيف الملطّف للتهريب الناشط على طول خطّ حدود البلدة مع سوريا، التي «تطوّقها» كفكّي كمّاشة، متلبّساً حاجات المرحلة وسلعها، في السلم كما في الحرب. 

وفي الأسماء تكمن حكاية بلدة منسيّة في الجرود، ترتفع عن سطح البحر 1560 متراً، بمنازلها المتواضعة، التي تزنّر جدران بعضها صور رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. قلبها صغير جدّاً، نسبة إلى جردها، فيما آخر ترابها يبعد عن قلبها نحو 20 كيلومتراً باتّجاه الحدود..

تنوّعت انتماءات أبنائها السياسيّة على مرّ تاريخها، وعرفت «التمرّد» باكراً، بوحيٍ من طبيعة أرضها ومناخها، وتفاخر بأنّها قدّمت الشهيد اللبناني الأوّل، محمود الحجيري، في مزارع شبعا المحتلّة سنة 1989.

ولأنّ لها أكثر من نافذة على سوريا، أريد لها أن تكون نافذة التسلّح والكرّ والفرّ، وأن تلعب دور «بيضة القبّان» في المعارك التي دارت رحاها في القُصير وريفها من نافذتها الشماليّة.

وكانت عين القوى اللاعبة على الساحة السوريّة، مفتوحة أيضاً على دورها المؤثّر في أحداث الشام وريفها. دور أتاحه لها إمساكها بالحدود المتّصلة بمنطقة القلمون السوريّة، من «قارة» إلى «رأس المعرّة»، الملاصقة لجرْد بلدة نحلة، جارة عرسال في الأعالي.

تاريخ خطّ نار

وتحت عنوان «الاحتضان الإنساني»، الذي اجتمع معظم أهالي البلدة تحت مظلّته في التعاطي مع الملفّ السوري، شهدت عرسال زحفاً سورياً، لم يميّز بين نازح ومقاتل، ولم تسلم من دخول مسلّحي «داعش» و«النصرة» وغيرهما إليها.

وهكذا، شاء قدرها، الناتج عن موقعها الجغرافي، وطول حدودها مع سوريا، وهويّتها المذهبيّة، أن تتحوّل على مدى سنوات، إلى أكثر الساحات اللبنانيّة سخونةً.

وذلك، بعدما تُرِكت هذه البلدة لمصيرها، في مواجهة محتلّيها من خلايا المسلّحين في داخلها من جهة، ومن محتلّي جرودها في السلسلة الشرقيّة من جهة ثانية، كما في مواجهة الكثير ممّا أشيع وأذيع، على مدى سنوات، شهدت خلالها أحداثاً ومآسي وتفاصيل أحالتها إلى «خطّ نار».

أمّا «العراسلة»، بعفويّتهم وطيبة أبناء الريف المتأصّلة فيهم، فيفاخرون بأنّ بلدتهم من أكبر البلدات اللبنانيّة، وبمساحتها البالغة 450 كلم، تشكّل 5 % من مساحة لبنان، وهم في الوقت عينه، في تمرّد دائم وانتفاض على واقع سياسي أجبرهم على مواجهة تحديات عدّة، ولعلّ أبرزها، ما أنتجته آلة الحرب السوريّة.

حيث فتحت بلدتهم ذراعيها لمسلّحي «المعارضة» السوريّة، في بدايات الأحداث في الجارة المفتوحة على حدودها، بمدى يتجاوز الـ 50 كيلومتراً، لـ «تصحو» حالياً على مشهدٍ تبدو فيه كأنّها تنوء تحت عبء احتضانها نحو 66 ألف نازح سوري إليها.

وافدون من القصير وريفها وبعض حمص، ومعهم نازحو القلمون وريف دمشق. ونادراً، ما ستجد في عرسال نازحاً ببطاقة دخول شرعيّة. قطع هؤلاء الجبال الوعرة في السلسلة الشرقيّة، مستخدمين آليات «البيك آب»، أو سيارات الدفع الرباعي.

بينما وصلها كثيرون، ومعظمهم من الأطفال والنساء، سيراً على الأقدام، لزمن تجاوز يوماً كاملاً، وسط المخاطر والنيران والهجمات المتبادلة، ومنهم «أمّ محمد»، التي مشت مع 6 أطفال، ما لا يقلّ عن 7 ساعات.

يومها، فتح أهل عرسال لهم بيوتهم وتعاطفوا معهم، وقدّم بعضهم المنازل من دون مقابل، ظنّاً منهم أن هذه التضحيات مرهونة بمرحلة قصيرة من الزمن.

. ومع الوقت، ضاقت المنازل بأهلها وبالضيوف، فانتشرت الخيم تؤوي من لم يجد سبيلاً إلى سقف إسمنتي يظلّله.

وهكذا، نصب السوريّون ما تيسّر من شوادر وخيم، كانت ولا تزال أشبه بـ «أحزمة بؤس»، في كلّ بقعة أرض عرساليّة استطاعوا إليها سبيلاً. وذلك، في ظلّ حالة الفوضى التي سادت لدى احتضان النازحين إنسانيّاً، وفي ظلّ واقع المزايدات الذي عاشته البلدة، والتي سمحت لمطلق جمعيّة، تحظى بدعم مالي خارجي، أن تتوجّه إلى عرسال لهذه الغاية.

ضيوف وأكثريّة

مضت السنوات، تبدّل خلالها المشهد وتغيّر، إلى أن استفاقت عرسال اليوم على اختناقها بـ «ضيوف» كانوا مثقلين بآلامهم فباتوا أكثريّة، إلى حدّ قول أحدهم لـ «البيان»: «قد تجدين عرساليّاً من بين كلّ 6 أشخاص يعبرون الطريق، أمّا الباقون فسوريّون».

وفي الوجه الآخر من الصورة، لا وجود للدولة، كطرف معني بالأزمة المفتوحة على المجهول. تخلٍّ رسمي ليس جديداً على منطقة طُبِعت بالحرمان بالأساس، وسط تخلٍّ واضح من القوى السياسيّة التي تعقد لها بعض الولاء.

165 مخيّماً لأكثر من 8500 خيمة، و160 مجمّعاً لأكثر من 2500 وحدة سكنيّة، بحسب تأكيد منسّق مخيّمات عرسال، ماهر المصري، لـ «البيان». وذلك، لضرورات إيواء أكثر من 66 ألف لاجئ، واستعداداً لاستقبال أكثر من 1000 مولود سنويّاً، وفق إحصاءاته، و«الحبْل على جرّار» الأيّام الآتية.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أنّ الوحدة السكنيّة هي خيمة حيناً، وغرفة حديديّة جاهزة حيناً آخر، وأخرى خشبيّة اعتمدها «المجلس الدانماركي للاجئين»، منذ نحو 7 سنوات، في محاولة لتعويض النقص الكبير في المساكن العاديّة الإسمنتيّة.

كما تجدر الإشارة إلى أنّ العوز، كان ولا يزال، يطال العائلات القادمة حديثاً إلى عرسال، قبل أن تعرف طريقها إلى التسجيل مع الأمم المتحدة والمنظّمات الشريكة الأخرى. عندها يصبح النازح، على معاناته، أفضل حالاً من ابن الأرض، ومع ذلك، ينطلق مع كلّ صباح بحثاً عن عمل ببدل منافِس يعتبره، على قلّته، مسانداً للمساعدات التي ترده.

«هادا البير وغطاه (البئر وغطاؤه)»، يقول المصري فاتحاً ذراعيه حائراً أمام أعداد النازحين وأطفالهم ونسائهم الذين يقصدونه على مدار الساعة، لتدبّر أمورهم. أمور تبدأ بـ «فرشة» وغطاء، ولا تنتهي بعلبة حليب أو دواء. فــ «اللاجئ السوري يسكن في خيمة، هي عبارة عن كيس نايلون، لا يقيه من برد الشتاء.

ولا من حرّ الصيف. شتاءً، يعاني من همّ التدفئة، لا سيّما مع وصول ارتفاع الثلوج إلى نحو مترين. وصيفاً، قد تصل الحرارة داخل الخيمة إلى 50 درجة». توصيف مختصر لواقع الحال، مرفقاً بعبارة «فوق الموتة عصّة القبر»، في إشارة منه إلى الانقطاع الدائم في التيار الكهربائي، و«خلّيها بالقلب تجرح»، يقول المصري خاتماً.

وهكذا، فإن عرسال، بكلّ أمكنتها وحدودها المفتوحة، تضيق بـ «ضيوفها»، الذين غيّروا في كثير من ملامحها، حتى باتت مصغراً عن مناطق لهم هناك:

اللّهجة السوريّة طاغية في أرجاء البلدة وأسواقها، تماماً كالزيّ السوري التقليدي الشعبي. الدرّاجات الناريّة تملأ شوارعها الضيّقة وطرقاتها الجبليّة الوعرة، بلوحات تسجيل سوريّة، أو من دون لوحات، بحيث تنقل الدرّاجة الواحدة عائلة بكامل أفرادها، وأحياناً كثيرة مع مقتنياتهم.. وفي الوجه الآخر من الصورة.

لا يقدّم مدخل البلدة الوحيد، الضيّق نسبيّاً، صورةً حقيقيّةً عن مساحة البلدة الشاسعة (حوالي 320 كيلومتراً)، لكنّه يعكس بوضوح حالة الاحتقان الشديد بين بلدة أُلبِست رداء «الطائفيّة»، ثم رداء «التطرّف»، رغم تاريخها اليساري الطويل، وبين محيطها الذي يعاكسها، أو تعاكسه في السياسة والانتماء.

 

طباعة Email