العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    ريبورتاج

    بيت لحم مدينة المقدسات المسيحية والإسلامية المتآخية

    من يتجول في محيط وأروقة مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، سيدرك أنها لوحة فنية نادرة، تعاقبت عليها الحضارات والثقافات، وسيستنشق عطر جدرانها وحجارتها الممتزج بترابها وإرثها، الذي يروي قصص مئات السنين من تاريخ المدينة العريق، وبميلاد السيد المسيح على أرضها ارتوت المدينة بعد ظمأ، وأزهرت ينابيعها واخضّرت.

    وتعد مدينة بيت لحم مركزاً دينياً وسياحياً في فلسطين، إذ ان لها أهمية عظيمة لدى المسيحيين كونها مسقط رأس السيد المسيح عليه السلام. حيث تلعب دوراً رئيسياً في الاقتصاد الفلسطيني من خلال السياحة التي تزداد أثناء موسم عيد الميلاد عندما يحتشد المسيحيون في كنيسة المهد.

    ويوجد في بيت لحم أكثر من 30 فندقا و300 ورشة للحرف اليدوية.

    أما سكانها المسيحيون فهم من أقدم المجتمعات المسيحية في العالم، وعاشوا (وما زالوا) مع المسلمين بروح الإخاء والتعاون، ونجد ايضا مسجد عمر الذي يعد من أقدم المساجد في بيت لحم.

    وقد تم بناؤه بمناسبة زيارة الخليفة عمر بن الخطاب الذي زار بيت لحم عام 636م بعد أن أصدر مرسوما تعهد فيه بسلامة جميع المسيحيين ورجال الدين واحترام مقدساتهم، لذلك يعتبر هذا المسجد رمزاً للتآخي الاسلامي – المسيحي إذ انه يعانق كنيسة المهد التي لا تبعد عنه سوى أمتار.

    ان اتجهت إلى جنوب بيت لحم قليلا ستصل إلى منطقة أرطاس الجميلة عمرها أكثر من 6 آلاف عام، تحتوي كل الركائز الأساسية للقرى الكنعانية، وأهمها كثرة ينابيع المياه التي جعلت منها جنة خضراء على مدار أشهر السنة.

    وأرطاس كلمة يونانية تعني «الجنة»، وعرفت زمن الصليبيين باسم «Hortus Conclusus» أي الجنة المقفلة، فهي ذات طابع تاريخي عريق، وذات جمال يدلل على اسمها، تقع بين أحضان سلسلة من الجبال، وتمتد من الغرب باتجاه الشرق، أكثر من أربعة كيلو مترات، وتحيط بها الجبال الشاهقة من كل جهة.

    ويمتد معها بين سلاسل تلك الجبال حوض بالغ الروعة، وبساتين دائمة الخضرة على مدار فصول السنة، وينابيع مياه رقراقة تتدفق باستمرار لتهب الحياة، والخضرة الدائمة للبساتين، من خلال شبكة القنوات التي تنتشر كما تنتشر شرايين الدم في الجسم لتمده بالحياة، فهكذا كانت الجدات يتغنين بالجمال الطبيعي، الذي حبا الله فيه بلدتهن أرطاس دوناً عن غيرها، «أرطاس يا جنة، إلي يزورك يتهنى».

    البساتين الخضراء

    أرطاس التي تعتبر من أقدم المناطق المسكونة في فلسطين، تقع بين أربع سلاسل جبلية فتبدو منطقة مقفلة، وتعرف ببساتينها الخضراء التي تروى بمياه الينابيع والعيون المتدفقة إليها صيفاً وشتاء، وتجاوزت مساحة المنطقة المزروعة اليوم 120 دونماً، و تعتبر القرية السلة الغذائية لمدينة بيت لحم، فهي معروفة بخصوبة أراضيها، التي تمنحها إمكانية الزراعة صيفاً وشتاء، والاستفادة من الأرض في جميع المواسم، وفق ما ذكره أحمد خليل رئيس مجلسها القروي لـ«البيان».

     

    معالم تاريخية

    وفي أرطاس معالم تاريخية كثيرة وكل منها يرتبط بفترة من فترات تاريخ أرطاس، فهناك برك سليمان، وهناك المسجد العمري، الذي ارتبط بدخول الجيوش الإسلامية بقيادة عمرو بن العاص، ومرور الخليفة عمر بن الخطاب في بيت لحم، ودير راهبات أرطاس، وقلعة مراد، والعديد من عيون المياه، وجميع هذه المناطق جعلت أرطاس مزاراً سياحياً لأهالي المنطقة أو السياح الأجانب.

    برك سليمان

    من المعالم الأثرية التي تضرب جذورها عميقاً في التاريخ، تلك البرك المعروفة باسم برك المرجيع والمشهورة اليوم باسم «برك سليمان»، وهي من الآثار الخالدة على هذه الأرض والتي تجذبنا بسحر جمالها، وبطيب هوائها وعبير نسيمها، تلك البرك اشتهرت بجمالها وكبر حجمها ودقة بنائها الرحالة والمؤرخين على مر العصور.

    وهنا يسهب المؤرخ التلحمي خليل شوكة في حديثه لـ«البيان» عن تاريخ البرك قائلاً: تضاربت الروايات حول تاريخ بناء البرك «برك سليمان» أو «المرجيع» وكثرت التكهنات في ذلك الوقت، والواقع يخالف إذ لا يوجد تاريخ محدد لبنائها على الرغم من الاعتقاد السائد بأنها تعود إلى فترة الملك سليمان بن داود.

    وهو اعتقاد عار عن الصحة إذ لا يوجد دليل علمي تثبته، بالإضافة إلى عدم ورود نص بخصوصه في التوراة، هذا وقد ذكر الدباغ أن زمن بناء البرك غير معروف وأن تسميتها لبرك سليمان نسبة إلى النبي سليمان تقليداً لا يستند إلى أساس علمي.

    وقديماً كانت تسمى «عين أيتام» وقد حرف الاسم لاحقاً لعين عطن نسبة إلى قرية عيطام الرومانية، وفي الفترة الإسلامية ذكر الحنبلي: إن سبب تسمية البرك بـ«المرجيع» أنه عندما فقد إخوة النبي يوسف أخاهم، وجدوه عند البرك وأرجعوه فسميت ببرك المرجيع، وفي الفترة العثمانية سميت برك سليمان نسبة إلى السلطان سليمان القانوني، الذي قام بترميمها وإصلاح القنوات الواصلة فيها إلى القدس.

    تجميع المياه

    ولفت شوكة إلى أن برك سليمان هي ثلاث برك ضخمة متجاورة، من الغرب إلى الشرق، مع انحدار الوادي، تتسع البرك الثلاث مجتمعة لنحو 365 ألف متر مكعب من المياه بعمق 15 متراً، وقد حُفرت البرك في الصخر الصلب، وتم إنشاء هذه البرك لتجميع مياه الأمطار قبل نقها إلى بيت لحم والقدس، عبر قناتين بنيتا في زمانين مختلفين تسميان: القناة العليا، والقناة السفلى، ويقال إن البركتين الأولى والثانية بنيتا في العهد الروماني، والبركة الثالثة بنيت في العصر المملوكي.

    وفي السياق ذاته يشير شوكة إلى أن هذه البرك قد زودت مدينة بيت لحم ومدينة القدس بماء الشرب لقرون عدة، وخصوصاً لأنها كانت توصل المياه إلى المسجد الأقصى، وحتى أوائل عهد الانتداب البريطاني عبر قنوات فخارية قبل أن تستبدل بأنابيب بلاستيكية.

    ولتنفيذ ذلك تم إنشاء مالا يقل عن ست قنوات ناقلة للمياه كان من أشهرها قناة السبيل «الدنيا» التي شيدها الحاكم الروماني بيلاطس عام 35 م والقناة العليا التي شيدها الإمبراطور البيزنطي سفيريوس عام 211 م، وحظيت هذه البرك بالتعمير والترميم المستمر في الفترات اللاحقة وشرعت القوانين الكفيلة بحمايتها وتنظيمها.

    وأهم ما يميز البرك الثلاث أن جزءاً منها منحوت في الصخر، والجزء الآخر مبني بالحجر بناء متقناً، والقصد من بنائها على هذا الشكل هو تجميع مياه الينابيع والأمطار من الجبال والمنحدرات المحيطة بها لتغذية محافظتي بيت لحم والقدس بالمياه، مؤكداً أن برك سليمان تعد من أشهر الأنظمة المائية الموجودة في فلسطين، ويعتبر هذا النظام الأطول في فلسطين.

    حيث اعتمد على مهارة وإبداع الإنسان المعماري قديماً، حيث استغل العوامل الطبيعية في نقل المياه طوال هذه المسافة رغم الارتفاعات والانخفاضات مستغلاً الجاذبية الأرضية وعملية الضغط لنقل المياه ولخدمة وتطوير الزراعة وتعزيز السكن، ولهذا تشكل نظاماً فنياً وهندسياً رائعاً من حيث البناء وتوزيع المياه.

    وبين أن منطقة البرك الثلاث تحتضن 5 عيون للمياه تغذي البرك وهي عين صالح، وعين القلعة، وعين عطان، وعين أرطاس، وعين الفروجة.

    قلعة مراد

    بنيت قلعة مراد على أراضي أرطاس بالقرب من البرك الثلاث، على يد السلطان العثماني مراد الرابع، قبل نحو 400عام، بهدف حماية أقنية المياه من التخريب أو التدمير، حيث إن هذه الأقنية كانت توصل ماء الشرب من برك سليمان الثلاث إلى مدينة بيت لحم، ثم إلى مدينة القدس، يقول المؤرخ شوكة، ويتابع، تحتوي القلعة على عدد من الغرف لمبيت الجنود، ومسجد للصلاة، وأربعة أبراج على الزوايا الأربع.

    وقبل سنوات، تم إنشاء متحف أثري، ليكون حاضنة لمتحف حضاري تراثي شامل يسمى «متحف قلعة مراد»، ويشتمل هذا المتحف على الكثير من المقتنيات التراثية، التي تمثل جوانب الحياة المختلفة في المجتمع الفلسطيني قديماً.

    دير أرطاس

    الباحث في التاريخ فادي سند من مركز أرطاس للتراث الشعبي، يوضح لمراسلة «البيان» أن الأسقف ماريانو سولير من الارغواي بأمريكا الجنوبية، كان من المهتمين بالمنطقة، ووصفها بالواحة الجميلة وسط الصحراء القاحلة، واشترى بها قطعة في سفح الجبل المقابل لمباني القرية وقرر بناء دير راهبات سيدة الجنة المقفلة سنة 1897 واستغرق بناء الدير أربع سنوات لغاية عام 1901ميلادي، وأرسل إليه الراهبات من بلده ليضمن خدمة الدير، ولرعاية الراهبات والأسر الفقيرة، ويضم الدير كنيسة، وميتماً، وورشة للأطفال وعيادة.

    ومن مشاهير العالم الذين زاروا أرطاس في أوائل هذا القرن «الأمير ألفرد» الابن الأكبر للملكة فيكتوريا ملكة بريطانيا، فدهش لروعتها وجمالها، وأمضى نصف نهار، واشترى فيها قطعة أرض زرعها بأشجار الزيتون، وكان يتردد عليها كلما وأتته الفرصة هو وأخوه الأصغر وما زالت أشجار زيتون الأمير ألفرد، تحكي قصة حب هذا الأمير لهذه البقعة الجميلة.

    جامع عمر بن الخطاب القديم

    يتابع الباحث والمؤرخ سند حديثه عن المواقع الأثرية في البلدة وعن مسجد عمر بن الخطاب فيقول: يقع في وسط القرية شرقي عين أرطاس، وهو من الآثار الإسلامية الأولى.

    ولا يوجد تاريخ محدد لمسجد عمر، ولكن من المرجح أنه تم بناؤه في الفترة الإسلامية الأولى، وقد سمي بهذا الاسم نسبه إلى الخليفة عمر بن الخطاب، وبقي الجامع يستخدم من قبل سكان القرية حتى عام 1969م، حيث أقدم سكان القرية وللأسف على هدم المسجد لبناء مسجد كبير على أنقاضه يستوعب التزايد السكاني في القرية، وتم البناء.

    مهرجان الخس

    ينتظر أهالي قرية أرطاس مهرجان «موسم الخس» السنوي بشغف كبير من عام لآخر، فالمهرجان استطاع لفت الأنظار للمنطقة، وتحول إلى احتفالات وأفراح ممزوجة بنكهة التراث والفلكلور الفلسطيني.

    ويعتبر المهرجان على مدار سنوات إقامته من أهم الفعاليات الثقافية والتراثية في محافظة بيت لحم، وهو فرصة مهمة للتعريف بقرية أرطاس ومعالمها التاريخية والحضارية والإنسانية، كما تعد هذه الفعالية فرصة لتسويق منتوجات المزارعين والفلاحين وبالأخص الخس، المنتج الزراعي الأشهر في القرية.

    وحول هذه الفعالية يقول سند، إن فكرة المهرجان بدأت في عام 1994 من قبل مؤسس مركز أرطاس للتراث الشعبي،

    وتطور المهرجان عاماً بعد آخر، وشهد زيادة في أعداد المشاركين، وأضيفت له فعاليات متنوعة من عروض للأزياء التقليدية، وعروض لفرق الدبكة وعروض زجلية، تشارك فيها فرق محلية وخارجية، إضافة إلى مسابقات للوحات الفن التشكيلي وعروض مسرحية.

    ولفت سند إلى أن القائمين على المهرجان يحرصون على جعله حالة ثقافية وتراثية بامتياز، إلى جانب بسطات المزارعين التي تنصب لتسويق المنتج وبيعه، وعلى مقربة منها فرق الدبكة الشعبية والأغاني والأهازيج الشعبية، وتحرص النساء والفتيات على ارتداء الأثواب المطرزة، وتحضر الكوفية الفلسطينية والزي التقليدي في مشهد جميل يؤكد حرص الكل.

    وأشار سند إلى أن مهرجان الخس أصبح جزءاً من حياة الفلاحين بالقرية، تجتمع فيه العائلات وتتعارف، وتحول إلى مهرجان وطني ذي طابع تراثي يعكس إرث القرية وحضارتها وغناها الطبيعي، إلا أن المهرجان تأجل للعام الثاني للتوالي بفعل جائحة «كورونا».

    طباعة Email