تزامناً مع دخول لبنان في مدار الذكرى السنويّة الأولى لانفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس من العام الماضي، معطوفاً على تراجع منسوب التفاؤل بتأليف الحكومة الجديدة برئاسة الرئيس المكلّف نجيب ميقاتي، في ضوء ظهور بوادر التعقيدات القديمة - الجديدة التي اعترضت طريق الرئيس سعد الحريري ودفعته إلى الاعتذار، وتحديداً لجهة عقدتَي المداورة بين الحقائب السياديّة وملفّ حقيبتَي «الداخلية» و«العدل»، ضرب الاتحاد الأوروبي في العمق، وأجرى حساباً ثقيلاً لمسؤولين لبنانيّين، أفراداً وكيانات، وأفرج عن حزْمة عقوبات كان قد هدّد بها طويلاً إلى أن توافق عليها على مسافة أيام قليلة من ذكرى الانفجار الأولى.
وبعدما استهلك وقتاً غير قصير في مناقشاته المتعلّقة بلبنان، وأسقط اعتراض هنغاريا، التي تربط رئيس وزرائها فيكتور أوربان علاقة خاصّة برئيس «التيار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، أعلن الاتحاد الأوروبي أنّه أقرّ إطاراً قانونيّاً لنظام عقوبات، يستهدف أفراداً وكيانات لبنانيّة، متبنيّاً إطار عمل لإجراءات تقييديّة هادفة لمعالجة الوضع في لبنان. وينصّ هذا الإطار على إمكان فرْض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولين عن تقويض الديمقراطيّة أو سيادة القانون في لبنان. علماً أنّ هذه العقوبات، وفق ما يتردّد، غير متعلّقة بالضرورة بحسابات الرابع من أغسطس، بل تتعدّاها إلى عرقلة تأليف الحكومة، وهي تنصّ على إجراءات عدّة، بدءاً من حظْر السفر إلى الاتحاد الأوروبي، مروراً بتجميد الأصول للأشخاص وتجميد الأصول للكيانات، ووصولاً إلى الحظْر على الأشخاص والكيانات في الاتحاد الأوروبي إتاحة الأموال لأولئك المدرجين في القائمة.
قراءات.. ومعطيات
وعليه، ضجّت القراءات السياسيّة والقانونيّة بالإشارة إلى أنّ إنجاز نظام العقوبات اللبناني، ووضع الإطار القانوني اللازم له، يشكّل «الحجر الأساس»، استعداداً للدخول في مرحلة إسقاط الأسماء على قائمة المعاقَبين خلال الفترة المقبلة، وذلك في حال استمرّ التعطيل مستحكماً في عملية تشكيل الحكومة الجديدة. وبناءً عليه، ارتفع منسوب المخاوف من كوْن لبنان بات كأنّه أمام عدّ عكسيّ، لا سابق له إلا في أزمنة الحرب، لجهة حتميّة إعادة تموضع الدول من واقعه، في ظلّ استفحال أزمة تشكيل الحكومة الجديدة التي باتت الصلة المحوريّة لتعامل العالم معه.
أمّا بعض القراءات، فلم تغفل الإشارة إلى أنّ ما سُمّي بـ«الإطار القانوني» هو عمليّاً «تسوية» توصّلت إليها فرنسا، بعدما فشلت في انتزاع إجماع على فرْض عقوبات سياسيّة، بسبب الفيتو الذي وضعته دول عدّة، مثل المجر وإيطاليا. وبهذا المعنى، كانت الإشارة إلى أنّ «الإطار» ويبقى خطوة هدفها التهديد بالعقوبات، أكثر من فرْض العقوبات نفسها، لأنّ فرْض عقوبات من الاتحاد الأوروبي على مسؤولين لبنانيين لا يزال بحاجة إلى اجتماع وزراء خارجيّة دول الاتحاد الأوروبي، وصدورها بالإجماع.
من جهتها، أشارت أوساط مطّلعة على الإجراءات الأوروبيّة لـ«البيان» إلى أنّ من شأن هذه الإجراءات الأوروبيّة «أن تسحب المعطّلين من الأيادي الموجعة»، ولا سيّما إذا ما نشر الاتحاد أسماء الأفراد والكيانات المستهدفين بالعقوبات. ووضعت الأوساط نفسها هذا التطوّر القضائي الأوروبي في خانة «عمليّة الضغط الأخيرة» لتأليف الحكومة، من دون إغفال معاقبة المتّهمين بعرقلة مراحل التأليف السابقة، فـ«من هدّد بإحراق خصمه، عليه أن يقف اليوم ليطفئ عنه نيراناً أوروبيّة»، وفق تعبير أحد المصادر، والذي لم يتردّد في الغمز من قناة بعض من قد يرون في العقوبات اليوم أنّ «الدني عم تشتّي».
العقوبات: إطار وإجراءات
وفي الانتظار، تجدر الإشارة إلى الإطار القانوني الذي أقرّه الاتحاد الأوروبي ينصّ على إمكانيّة فرْض عقوبات على الأشخاص والكيانات المسؤولين عن «تقويض الديمقراطية أو سيادة القانون في لبنان»، من خلال أيّ من الإجراءات الآتية وهي عرقلة أو تقويض العمليّة السياسيّة الديمقراطيّة، من خلال الاستمرار في إعاقة تشكيل الحكومة أو عرقلة إجراء الانتخابات أو تقويضها بشكل خطير. وثانياً عرقلة أو تقويض تنفيذ الخطط التي وافقت عليها السلطات اللبنانيّة، وبدعم من الجهات الفاعلة الدوليّة ذات الصلة، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، لتحسين المساءلة والحوكمة الرشيدة في القطاع العام أو تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المهمّة. وثالثاً سوء السلوك المالي الجسيم في ما يتعلّق بالأموال العامّة.
