غداة انقضاء الأسبوع الأوّل من الشهر التاسع على تكليف سعد الحريري تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، معطوفاً على ما جرى بينه وبين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون وفريقه السياسي من خصام وصراع وصدام، منذ 22 أكتوبر من العام الماضي وحتى اليوم، فإنّ ما من عبارة تنطبق على المشهد العام في لبنان سوى قول أحدهم لـ«البيان»، إنّ «البلد يحصي ما تبقّى له من أيام على قيْد الحياة، بعدما سُدّت عمداً كلّ الأنابيب التي تمدّه بأوكسجين الحياة».
وهذا الكلام لم يأتِ من العدم، بل اقتضاه فعْل «التخريب المنظّم» الذي ترعاه «غرف سوداء»، أوكلت إلى وكلائها افتعال الأزمات في كلّ مجالات حياة اللبنانيّين، وتحريك السوق السوداء، ودفع الدولار إلى مستويات خياليّة. وبالتالي، جرّ البلد إلى فوضى لا نهاية لها، وسط الجمود الداخلي عند مربّع التعطيل. وعليه، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ الأسبوع الجاري هو بمثابة محطّة فاصلة بين احتمالين، بشأن وجهة البوصلة الحكوميّة: إمّا في اتجاه التأليف، مع ما يعنيه من وضع لبنان على سكّة الخروج من الأزمة، أو في عدم التأليف، مع ما سيرافق ذلك من تعميق إضافي للحفرة التي سقط فيها البلد.
مشهد سوريالي
وفي الانتظار، فإنّ الصورة تتجلّى في الفاقة التي ضربت لبنان من أقصاه إلى أدناه، تبدأ من شحّ المازوت الذي فاقم الأضرار الاقتصاديّة والحياتيّة، ولا تنتهي في المرافق العامّة، حيث بدأ المشهد يصبح سوريالياً إلى حدّ كبير. ففي المطار، توقفت الجمارك عن تحصيل الرسوم بسبب نقص في القرطاسية، وفي الأمن العام، توقف تسيير المعاملات بسبب انقطاع الكهرباء. وبما أنّ الكهرباء مقطوعة فالمياه أيضاً مقطوعة، فيما الوضع في المستشفيات الحكوميّة خطير. وتكرّ سبحة هذا المشهد الغريب، ليبدو وكأنّ لا دولة ولا سلطة، ولا من يرعى شؤون اللبنانيّين، المتروكين لمصيرهم، إذْ لا غذاء ولا دواء، ولا كهرباء دولة، ولا حتى «اشتراك».
وفي توصيف أدقّ للأزمة، تتساقط المؤسّسات، كأحجار الدومينو في قبضة العتمة مؤخّراً، فتوقّفت كلّ المعاملات في مقرّ الأمن العام، وتوقفت أنظمة أجهزة الكمبيوتر التابعة لوزارة الماليّة في قصر عدل ببيروت، وتوقّفت معاملات استيفاء الرسوم، وتوقّفت صناديق الجمارك في المطار عن قبْض الرسوم بسبب عدم توافر الأوراق والمحابر، وتعرقلت حركة الشحن، وتوقّفت الأعمال في سراي صيدا، وأُطفئت المولّدات في معظم المناطق شمالاً وجنوباً، وصولاً إلى بيروت، حيث توقفت أجهزة التكييف في عدد من أقسام المستشفى الحكومي، فكانت تغريدة مأسوية بالمختصر المفيد من مدير المستشفى فراس الأبيض: «لا داعي لاستعمال المخيّلة أو التهويل، نحن في جهنّم حقاً».
وتزامناً، لا تزال الصور التي يتناقلها روّاد مواقع التواصل الاجتماعي تظهر إعلانات لبيْع الدجاج «بالمفرّق»، والبيع «بالقطعة»، والخبز «بالرغيف».. هذا الواقع ينسحب أيضاً على التأليف الذي، وبحسب توصيف أحدهم لـ«البيان»، قد «ضاع على المحطّة، ونُسي كأنّه تنكة بنزين»!.
