يواصل لبنان «سقوطه الحرّ» في غياهب الأزمة، وسط التحذيرات من أن تكرّ سبحة الانهيار المؤسّساتي في البلد، لتشمل المؤسّسة العسكرية بعدما أصبحت غير قادرة على إطعام جنودها. وعليه، ارتفع منسوب إسقاط مضامين التعبير الفرنسي: «إنّهم يحكّون قعْر الجوارير» على الواقع اللبناني، الذي يُستخدم للدلالة على شخص مفلس، تدفعه الحاجة إلى التفتيش اليائس عن قرش في أدراجه وهو عالم بأنّه غير موجود.
 
انهيار اجتماعي
 
وفي المقلب الآخر من الصورة، شعب متروك لمصيره، تتقاذفه الأزمات، فيما الأوضاع المعيشيّة آخذة في الانهيار: الطوابير تطول أمام محطات الوقود، مع ما تعنيه من عذابات مستمرّة بين ساعات الانتظار لملء كميّة من البنزين وحرق الأعصاب في زحمة السير للوصول إلى العمل. الدواء مفقود، كما المستلزمات الطبيّة.
 
دخول المستشفيات بات امتيازاً لمن معه «الفريش موني». الدولار «يحلّق»، والأسعار ترتفع. وبمعنى أدقّ، فإنّ كلّ المعالجات «معلّقة»:
 
لا محروقات إلا بـ«القطّارة»، ولا أدوية إلا بالتفتيش بالسراج والفتيل. أمّا الكهرباء، ففي وضع يُرثى له، وأصحاب المولّدات يلوّحون بإطفاء مولّداتهم، فيما المواطنون عالقون بين كهرباء رخيصة الثمن، لكنّها اقتربت من الانقطاع، وكهرباء مرتفعة الثمن، ومع ذلك لا تلبّي الحاجة كليّاً. ولأنّ الإنترنت يعيش على الكهرباء، فطالما أنّ الكهرباء ليست بخير قد لا يكون الإنترنت بخير. وعليه، ووسط هذه اللوحة الكئيبة، فإنّ الوضع من سييء إلى أسوأ في غياب المعالجات السياسيّة، وفق استشراف الكثيرين.
 
واقع.. و«إذلال»
 
وهكذا، باتت كلمة «الإذلال» تختصر وضع اللبنانيّين في هذه الأيام. إذلال في كلّ مكان وفي أيّ ساعة: على محطات المحروقات صفوف طويلة وانتظار أطول، ولهاث مرير وراء ليترات معدودة لا تروي غليل الـ«رزرفوار» الجافّ. في الصيدليّات إذلال، بحثاً عن دواء يصعب أن يتوافر، وإذا توافر فبعد ألف «تربيح جميلة».
 
في المستشفيات إذلال أيضاً، لأنّ شركات التأمين لم تعد تدفع كما في السابق، وبالتالي فإنّ المريض بات أمام مصيره الأسود. فإذا لم يكن معه»فريش ماني«، فعلى الصحّة السلام، وما عليه إلا أن يعود إلى منزله منتظراً قدره. أمّا إذا كان معه»فريش«، فالإستشفاء ممكن شرط أن تكون المستلزمات الطبيّة اللازمة لحالته موجودة، وإلا فإنّ الخطر يداهمه من جديد.
 
وهكذا أيضاً، تطول لائحة الإذلال، ولا تنتهي مع الإذلال الحاصل في الواقع السياسي، حيث لا يمضي يوم إلّا وتُلقى فيه جمرة جديدة، تدفعه إلى مزيد من الاختناق والتأزّم، إلى حدّ صار مشهده، بحسب توصيف أحدهم لـ»البيان«، أشبه بـ»لعبة صبّ للزيت على النار«، واللاعبون لا يعبأون ببلد أتى الحريق عليه في كلّ مفاصله.
 
وفي محصّلة المشهد، فإنّ لبنان كلّه يغلي على صفيح الأزمات، تحكمه طوابير من البنزين، مروراً بالبنّ، ووصولاً إلى»طابور العتمة) الشاملة. أمّا المسار الواقعي للأمور، فجعل سرعة التدهور تُحتسب وكأنّ اليوم بعشرة أيام، حتى بات هذا التدهور كسعر صرف دولار في سوق سوداء!