لم تكن تلك الحياة على قدر طموحات المغترب اللبناني عماد حويلي، الذي خطف الموت عائلته بأكملها، في زحام ليل صاخب أمام إحدى محطات الوقود.
وتحديداً على أوتوستراد السعديّات، الرابط بين جنوبي لبنان وعاصمته، وحيث لا تزال تنتشر لوحات تحمل توْق عناوين، ومنها: «يمكن للأمل أن يطلي الغراب بالأبيض فيصبح طائر سلام»، و«يمكن للبنانيّين أن يتفاءلوا، لأنّ الأمل وحده سيقدّم لهم فرصاً كي لا يهاجروا ويتركوا وطنهم للغرباء»، و«يمكن للأمل أيضاً أن يصنع المعجزات.. كأن تنبت أرزة وسط حفرة على طريق سريع».
«اللي مش عاجبو يهاجر».. نصيحة أسداها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إلى اللبنانيّين يوماً، وتحديداً بعد اندلاع الانتفاضة الشعبيّة في 17 أكتوبر من عام 2019.. يومها، وعملاً بهذه النصيحة، وبعدما أعياه الفقر في وطنه، هاجر أبو العائلة عماد حويلي إلى ليبيريا في القارّة الأفريقيّة، لتحصيل قوت عائلته وإعالتها في لبنان.
ولكنّه لم يكن يدري أنّ إجرام السلطة سيطارده ويعيده إلى بيروت لتقبّل العزاء بزوجته وبناته الأربع، واللواتي قضيْن مؤخراً في رحلة البحث عن «تنكة» بنزين على أوتوستراد السعديات، وليصبح واجب العزاء موصولاً بمسلسل الانهيار الشامل، فصولاً، وبحلقاته المميتة التي تُعرض بشكل يومي، وقد اختير اللبنانيون، من دون أن تتم استشارتهم، ليلعبوا دور الضحية فيه.
«مأساة البنزين»
وعلى خطوط نار «مأساة البنزين»، وقع الحادث المأساوي الذي أودى بحياة عائلة من بلدة الشرقيّة جنوبي لبنان، هي أم وبناتها الأربع، كنّ يبحثْن عن بضعة ليترات من البنزين، لم يجدْنها في الجنوب، فقصدْنها على خط بيروت، قبل أن يقعْن في حادث سير مروع، هو ليس الأول بفعل هذه الأزمة، ولن يكون الأخير بالتأكيد، ولكنه الأكثر دموية بفعل عديمي الإنسانية..
وهكذا، لم يعطِ الحزن أساه لأوجاع كتلك التي تركتها على طريق السعديات الساحلية، حيث كان انهيار عائلة حويلي، بكامل طاقمها الوردي، أشبه بانهيار وطن «ممدد» على الأرض. ذلك أنّه، وبفعْل حادث تدافع على محطة محروقات، دخلت الأم فاطمة قبيسي وبناتها الأربع قائمة «شهداء أزمة البنزين»، بعدما اصطدمت السيارة التي كن فيها بسيارات عدة، بينها واحدة كانت تتّجه عكس السير، يقودها تلميذ ضابط في الكلية الحربيّة، نُقِل إلى المستشفى وهو في حال حرجة جداً، قبل أن يفارق الحياة هو أيضاً.
مرارة
وهكذا، في ظل مرارة الأيام السياسية في لبنان، جمعت المصيبة بين لبنان المقيم ولبنان المغترب، إذْ شُيّعت العائلة مع وصول الأب المفجوع من سفره، وهو الذي عاد إلى الوطن، بعد طول غياب، بمناسبة عيد الأب، قبل أن يتحوّل الاحتفال إلى مأتم جماعي. وهكذا أيضاً، فإنّ هذه الفاجعة، صاغت تفاصيلها حكاية الذل الدامي هذه المرة، واندفاع الناس طلباً لمادة حرقت أجساد أطفال في عمر الورود.
وتمدّدت جثثهم على أوتوستراد ساحلي، لم يتعرّف إلى الأم فاطمة وبناتها زهراء وآية وتيا وليا عماد حويلي إلا من خلال رابط الموت الواحد والنفس الأخير الذي لُفِظ معاً.. أمّا السؤال، الذي يعبر وحده عن حال الأب المفجوع خصوصاً، واللبنانيّين عموماً، فيبقى معلّقاً حتى إشعار آخر: هل تدخل هذه الجريمة قائمة الأولويات السياسيّة، في بلد لا تعترف سلطته السياسية بجرائمها، وفي جمهورية صارت أشبه بجمهورية تنظيم الموت على دفعات، وبالتقسيط؟!
