العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    لبنان.. «طفح الكيل»

    قبل أعوام قليلة، كانت تنتشر على الطرقات اللبنانية لوحات تحمل توق عناوين لحملة «شبكة الأمل» الإعلانية إلى الجمهور اللبناني، مثل «يمكن للأمل أن يطلي الغراب بالأبيض فيصبح طائر سلام»، و«يمكن للبنانيين أن يتفاءلوا، لأنّ الأمل وحده سيقدّم لهم فرصاً كي لا يهاجروا ويتركوا وطنهم للغرباء»، و«يمكن للأمل أن يصنع المعجزات.. كأن تنبت أرزة وسط حفرة على طريق سريع»، وذلك، في خطوة على طريق إعطاء اللبناني أملاً في البقاء في بلده، وحثّه على عدم الهجرة.

    «لبنان ما بيسوى نتركو للغريب.. خلّينا متفائلين»، عبارة حفظها اللبنانيّون عن ظهر قلب، وهي لطالما أُرفقت بـتحيّة لـ«يلّلي قرّر يبقى»، وبشعارات أخرى كـ«أملي بلبنان» و«لوّنها بتتلوّن».. وذلك، قبل أن يتبدّل المشهد، ليرسو على صورة بلد، تتهاوى كلّ قطاعاته كأحجار «الدومينو»، فيما أبناؤه يتساقطون كـ«البيادق» على «لوحة شطرنج» السلطة. تصحّر في كلّ منابع الطاقة والحياة، فيما السلطة حاكمة تراقب مشهديّة الذلّ، التي يعايشها اللبنانيّون على قارعة الطرق توسّلاً لـ«رشْفة بنزين» أمام محطّات الوقود، أو مصارعة من «قلّة الموت» على أبواب المستشفيات والصيدليّات والمختبرات والمصارف والسوبرماركات.

    الموت أو الهجرة

    مشهد اختصرته الشابة ليال (25 عاماً)، في خضمّ انشغالها بتوضيب حقائب سفرها إلى فرنسا، بقولها لـ«البيان»: «دولتنا عم تعمل هيك كرمال نموت أو نهاجر». وما بين حدّي الموت أو الهجرة، اختارت ليال الخيار الثاني، حاملة أمتعتها و«أشلاء» أحلام باتت عصيّة على البقاء في «بلد المهاترات السياسية»، وغير عابئة بكل التحايا لـ«يلّلي قرّر يبقى»، إذْ «لم يعد هناك شيء أصلاً يستحقّ الانتظار في دولة تحكمها العتمة، وكل شيء فيها أسود كطابور انتظار أمام محطّة محروقات»، أما حكّامها، فـ«ما إن يحلّ عام 2022، حتى يجدوا أنفسهم أمام واقع يحتّم عليهم حكْم أنفسهم»، وفق قولها.

    ولأنّ لا شيء يتقدّم عهد الفراغ سوى الذلّ بشهادة مصدّقة، على امتداد طوابير، أصبحت ماركة لبنانيّة مسجّلة للانتظار، فيما وحده الانهيار على كلّ المستويات يسير بسرعة قياسيّة ويخوض سباق المسافات القصيرة نحو الارتطام الكبير، بات الرحيل إلى ديار الغربة حلماً يراود الكثيرين، ومنهم رامي (34 عاماً)، الذي قرّر تجربة لعبة الحظّ مع الحصول على الجنسيّة الأوستراليّة، في ضوء سبّحة «مشاهد إذلال اللبنانيّين، بما لم يسبق له مثيل حتى في حقبات القصف والموت والحروب والاجتياحات التي عرفها لبنان»، وفق قوله لـ«البيان»، فـ«من أجل وزيريْن يُعدَم شعب بكامله، ومن أجل حقيبة وزاريّة يُسترخص وطن ويُمنع عنه الهواء»، مطلقاً ما يشبه الشعار: «احمل حقيبتك، واتبعني».

    حلم

    وهكذا، بات حلم اللبناني اليوم الحصول على تأشيرة خروج، وربّما هجرة إلى بلدان أكثر أمناً وأماناً، حتى لو اضطرّه الأمر إلى ترك لبنان إلى الأبد. وبالتالي، يتهافت الكثيرون على السفارات للحصول على تأشيرات، وإن بـ«القطّارة»، أو ربما لتقديم الأوراق من أجل الحصول على هجرة، وبعدها على جنسيّة البلد الذي قد يستضيفهم. أما الاستقرار المنشود في البلد فمتعذّر الحضور ما لم يكن مصحوباً بهويّة يُصار إلى التصالح عليها والتوحّد حولها، وفق إجماع الكثيرين.

    طباعة Email