العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    ريبورتاج

    أم درمان بقعة مباركة على شاطئ النيل

    أم درمان مدينة اختلف الرواة حول أصل تسميتها، لكنهم اتفقوا على أصالتها الضاربة في عمق التاريخ السوداني الحديث، كونها واحدة من المدن التي حظيت مكانتها بإجماع أهل السودان، كونها تمثّل الضلع الثالث للعاصمة السودانية، بجانب مدينتي الخرطوم والخرطوم بحري، وهي البقعة التي وحّدت السودانيين تحت راية الدولة الوطنية، إذ كانت معقل الدولة المهدية.

    ومهد الحركة الوطنية، ومنبعاً للثقافة والفن مجّدها الشعراء وتغنى بها ولها كبار الفنانين، ومنها خرج كبار قادة البلاد، وفيها أعرق الأندية الرياضية (الهلال والمريخ والموردة)، كما أنها تمثّل المركز الاقتصادي الأول في البلاد. 

    عندما دخلت قوات الزعيم السوداني محمد أحمد المهدي مدينة الخرطوم في عام 1885، وقتلت تشارلز جورج غوردون حاكم عام السودان، رفض المهدي أن يبني عاصمة دولته على مدينة الخرطوم بوصفها عاصمة المحتل الأجنبي، واختار أم درمان على الضفة الغربية من نهر النيل عاصمة وطنية لدولته، مطلقاً عليها اسم (البقعة المباركة)، وهو الاسم الذي يحتفظ به أنصار المهدي، والكثير من السودانيين حتى الآن. 

    بعد الانتصار الذي الكبير، الذي حقّقته قوات محمد أحمد المهدي على الحكم الأجنبي تدفّق الآلاف نحو أم درمان، التي أصبحت في غضون سنوات قليلة المدينة الأولى في البلاد، يفد إليها الناس من كل فج للالتحاق بركب الثورة المهدية ومبايعة قائدها، وظلت عاصمة للدولة المهدية بعد وفاة مؤسسها محمد أحمد المهدي، وتولي خليفته عبد الله التعايشي مقاليد الأمور ما بين 1885 و1898. 

    بوتقة انصهار 

    رغم انشغال خليفة المهدي- عبد الله التعايشي- بالحروب الداخلية والخارجية، فإنه أولى اهتماماً كبيراً بالتأسيس لعاصمته، التي أصبحت دار هجرة لأنصار دولته، فأقام فيها منزله ودار حكمه التي أصبحت بعد نهاية الدولة المهدية متحفاً يحوي آثار حقبة من تاريخ السودان، كما أنه اهتم بتخطيط أحياء المدينة وإنشاء بعض الطرق الرئيسية لا سيما شارع العرضة الذي تستعرض فيه قواته خلال المناسبات. 

    ورغم أن المباني والمساكن في أم درمان في عهدها الأول كانت من الحجارة والطين و(القطاطي)، فإن المدينة انتظمتها نهضة تنموية كبيرة في عهد الخليفة عبد الله التعايشي، إذ تمدّدت المساكن فيها، ولا تزال في حالة تمدّد مستمر حتى الوقت الحالي، ليتجاوز عدد سكانها وفق آخر إحصاء أُجري في عام 2008 تعداد المليوني نسمة. 

    معظم أحياء أم درمان القديمة حملت أسماء أمراء الدولة المهدية مثل (ود نوباوي، ود نوباوي، أبو كدوك، أبو روف، أبو عنجة، ود أرو، ود البنا، ود البصير)، بجانب أحياء أخرى حملت اسم مؤسسات المهدية، مثل (الملازمين، العرضة، بيت المال، بيت الأمانة، الأمراء)، فضلاً عن أحياء بذات العراقة مثل (الموردة، المسالمة، الشهداء، بانت، حي العرب، الركابية والهاشماب) وغيرها.

    ولكن مع مرور الزمن أصبحت أم درمان بوتقة انصهرت فيها جميع القبائل والأجناس، واستطاعت أن تصنع من ذلك المزيج القومية السودانية، رغم انتقال العاصمة مركز الحكم منها إلى الخرطوم، بواسطة قائد الاستعمار الإنجليزي كتشنر. 

    السياحة والآثار 

    تضم أم درمان آثاراً تاريخية، تحكي عن حقبة الدولة المهدية، ولعل بيت الخليفة عبد الله التعايشي خليفة محمد أحمد المهدي أبرز تلك الآثار.

    تم تشييد المبنى عام 1887 على يد معماري إيطالي يدعى بيترو، وكان مقراً لإقامة الخليفة عبد الله التعايشي، وتم تحويل المنزل إلى متحف في عام 1928، وأصبح مزاراً للسياح من داخل السودان وخارجه، لما يحتويه من مقتنيات تاريخية، ظلت شاهدة على فترة مهمة من تاريخ البلاد. 

    وعلى بعد أمتار تقع قبة المهدي، التي تعد واحدة من المعالم التاريخية البارزة في أم درمان وهي مرقد محمد أحمد المهدي مؤسس الدولة المهدية، كما أنها أصبحت مدفناً لأبنائه وأحفاده من بعده، حيث دفن بداخلها مؤخراً الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني السابق، وزعيم حزب الأمة إمام طائفة الأنصار. 

    وقبالة القبة يقع «حوش» أو جامع الخليفة، وهو عبارة عن ساحة واسعة مسوّرة من كل الجوانب، كانت تقام فيها الصلوات، وفيها مجلس للخليفة يطلع فيه على أحوال الناس ومجمع للحشد.

    وظل الميدان كما هو، وأصبح في ما بعد ميداناً للاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فيه تنصب سرادق الطرق الصوفية، ويضج طوال أيام المولد بالمحتفلين والسياح، كما أن الميدان يمثل واحدة ساحات تجمع طائفة الأنصار. 

    مواقع حصينة

    ومن المعالم الأثرية في أم درمان (الطوابي) يطلق على الواحد منها (طابية)، وهي مواقع حصينة كان يستخدمها قناصة جيش الدولة المهدية ومدفعيته لصد الهجمات التي تأتي لأم درمان قبالة نهر النيل، واستبسل فيها جند الدولة المهدية بوصفها كانت خطوط الدفاع النهائية ضد الغزو الإنجليزي في عام 1899، حيث شيدت 17 طابية على طول ستة أميال مزودة بالمدافع. 

    وأيضاً تعد بوابة عبد القيوم الواقعة بالقرب من شاطئ النيل الغربي من أبرز معالم أم درمان الأثرية، وهي واحدة من أربع بوابات شيدها الخليفة عبد الله التعايشي في عام 1895، ولا تزال شامخة حتى الآن، وأجريت عليها آخر الترميمات في عام 1957، وتمثّل بوابة عبد القيوم التي نسبت بحسب بعض الروايات إلى حارسها حداً جنوبياً لمدينة أم درمان القديمة. 

    الحياة السياسية 

    أم درمان بحكم تأسيسها مدينة سياسية أنشئت كونها عاصمة لأول دولة وطنية في تاريخ السودان الحديث، ومنها انطلقت الشرارات الأولى للحركة الوطنية السودانية المناهضة للاستعمار الانجليزي، وشهدت المدينة إقامة أول نادٍ للخريجين في السودان، والذي أصبح نقطة التقاء لرواد الحركة الوطنية، التي قادت إلى الاستقلال عن الحكم البريطاني. 

    كان أبرز رواد الحركة الوطنية بالسودان في العقدين الأول والثاني من القرن التاسع عشر الزعيم السوداني الخالد إسماعيل الأزهري رافع علم الاستقلال، ويمثل أحد الأضلاع المهمة لمؤتمر الخريجين الذي تم تكوينه في عام 1938. اتخذ الزعيم الأزهري من حي بيت المال العريق منزلاً وسكناً، وقاد فيه مع رفاقه الحراك الوطني من أجل إنهاء الحكم الإنجليزي. 

    وأصبح المنزل المكوّن من طابقين من الطراز المعماري العريق محطة بارزة في حياة السودانيين، وأحد المعالم التاريخية في مدينة أم درمان، يهوى إليه قلوب السودانيين خلال المناسبات الوطنية، باعتباره محطة من محطات نضال أهل السودان، توشح منزل الزعيم الأزهري بالسواد حزناً على إعلان انفصال جنوب السودان في عام 2011.

    كما أن أبرز القيادات السودانية التي كانت بجانب الزعيم الأزهري وُلدت بأم درمان أو اتخذتها مقراً سكنياً، مثل محمد أحمد المحجوب، عبد الله خليل، والرئيس الراحل جعفر نميري، فضلاً عن أحفاد محمد أحمد المهدي، وكبار قيادات الأحزاب السياسية، حيث كان منزل الزعيم الشيوعي عبد الخالق، الذي أعدمه الرئيس نميري قريباً من منزل الأزهري. 

     هنا أم درمان 

    (هنا أم درمان إذاعة جمهورية السودان)، هي أولى العبارات التي تعانق آذان المستمع للإذاعة السودانية، التي تعد واحدة من أهم المعالم الثقافية في المدينة.

    حيث انطلق أول صوت إذاعي في عام 1940 من داخل مبنى البوستة وسط أم درمان، وباتت في ما بعد واحدة من الأدوات التي وحّدت الوجدان السوداني، فمبنى الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون في أم درمان، وبجواره المسرح القومي ودار اتحاد الفانين.

    فبقدر ما كانت مدينة أم درمان منطلقاً للحركة الوطنية السياسية، كانت منطلقاً للحركة الثقافية والفنية، وكانت المقاهي القديمة منتديات شعبية، أمها كبار المثقفين والفنانين الذين تركوا بصماتهم الواضحة في الحياة السودانية، حيث لعبت إذاعة (هنا أم درمان) دوراً محورياً في نقل الحراك السياسي والثقافي والرياضي إلى أرجاء البلد المترامي. 

    إهمال مدينة

    كغيرها من المدن السودانية، التي طالتها يد الإهمال خلال الثلاثين عاماً الماضية، ومع تزايد الكثافة السكانية في أم درمان خلال الآونة الأخيرة، فإن المدينة شهدت تدهوراً واضحاً في الخدمات وتدنياً في مستوى النظافة العامة، وكاد الإهمال أن يغطي على قيمة المدينة التاريخية.

    حيث يلحظ الزائر للمدينة أكوام النفايات في كل مكان، بجانب الفوضى التي تطغى على سوق أم درمان الكبير، الذي يمثل أحد أقدم الأسواق في البلاد، حتى بات التحرك داخل السوق ضرباً من المغامرة، الباعة الجائلون يفترشون بضائعهم تحت هجير الشمس على الطرقات دون رقيب أو منظم، حتى الطرق القديمة، تآكلت بفعل الزمن وغياب الصيانة الدورية، فالمرور بشارع (الدكاترة)، الذي كانت تغطيه لافتات كبار الأطباء، ومحلات الملبوسات الراقية، تغيرت تضاريسه تماماً، بفعل الإهمال وأخفت الأتربة و(الحُفر) ملمحه الإسفلتي.

    طباعة Email