أحلام صغيرة

فتى يمني يشق طريقه نحو الجامعة من بوابة بيع الورود

بعد سنوات من التعب والعمل الشاق في حراسة الأرض ومن ثم بيع الماء في تقاطعات الشوارع، يعمل الفتى اليمني محمد الحدا على تحقيق أهم أحلامه بأن يلتحق بالدراسة الجامعية، قصة ممزوجة بالمعاناة والعرق والصبر، بدأت فصولها مع اشتداد الأزمة الإنسانية بفعل الحرب التي أشعلتها ميليشيا الحوثي الإيرانية وانتقال والده إلى صنعاء للبحث عن مصدر للعيش.

حتى اليوم لا يزال محمد ذو الـ17 عاماً يستيقظ كل يوم مع شروق الشمس ليذهب إلى عمله بعد أن تحمل عبء الإنفاق على أسرته بسبب مرض والده، وفرضت الحرب عليه تحمل هذا العبء مبكراً ولكنه لم يستسلم ولم يتخلَّ عن حلمه بمواصلة تعليمه، على خلاف الملايين من الأطفال اليمنيين الذين تركوا دراستهم بسبب عدم قدرة أسرهم على توفير نفقات الدراسة أو دفعت بهم إلى سوق العمل للمساهمة في تغطية نفقات أسرهم.

جاء محمد من إحدى قرى محافظة ذمار، رفقة والديه وإخوته الستة إلى صنعاء للبحث عن عمل، وسكنوا في أطراف المدينة حيث إيجارات المنازل أقل من تلك في وسط المدينة وأحيائها، وذهب مع والده ليبحث عن عمل فعرض عليهم أحد التجار حراسة أرض يملكها.

وعكة صحية

لم يكن عائد هذا العمل يغطي احتياجات الأسرة كافة وفق ما يقوله محمد ومع هذا فحين أصيب والده بوعكة صحية، تخلى عنهم صاحب العمل، وتركهم في العراء، إلا أنه لم ييأس، فتحمل الفتى اليافع مسؤولية أسرته وبحث عن مصدر آخر لإعالتها فقام ببيع قناني الماء في الجولات، حيث وقف يومياً ساعات طويلة تحت لهيب الشمس قبل أن تقوده الأقدار إلى طريق بيع الورود وهو الطريق الذي أوصله إلى الجامعة والحصول على مقعد مجاني. يضيف محمد الحدا في حديثه لـ«البيان» قائلاً:

«شاءت الأقدار أن أعمل أمام إحدى الجامعات الخاصة في صنعاء، والتي معظم طلبتها من الميسورين بسبب ارتفاع الرسوم الدراسية فيها، إلى أن جاء أحد أصحاب محال بيع الورود في يوم شديد الحرارة وعرض علي أن أعمل معه في بيع عقود الفل والورود بدلاً من الماء وأن يعطيني نسبة من عائدات البيع فوافقت».

قصة كفاح

ولأن محمد كان يطمح إلى أن يكون طبيباً فقد جمعه المكان بمدير الجامعة الذي استمع منه إلى قصة كفاحه، فتعاطف معه وشجعه وسمح له ببيع الورود وعقود الفل داخل الجامعة، ومن ثم عاد ومنحه مقعداً دراسياً مجانياً، ولأن الدراسة في الجامعة بالإنجليزية فإنه اليوم يعمل بنشاط مكثف على تعلم هذه اللغة وجمع المبلغ الذي سيمكنه من دخول معهد لتعلم اللغة حتى يتمكن بعد ذلك من الالتحاق بالجامعة.

عند التقاطع الواقع في مدخل الجامعة يقف محمد حاملاً عقود الفُل والعديد من الأزهار منتظراً زبائنه سواء من العابرين بسياراتهم أو من الطلبة والطالبات الذين ألفوا وجوده ويتعاطفون كثيراً معه، ينهي دوامه بعد زوال كل يوم. ويعود إلى البيت لا يترك وقتاً بل يعكف على قراءة كتب تعلم الإنجليزية. منتظراً اليوم الذي يدق فيه أبواب الجامعة طالباً إلى جانب وجوده فيه بائعاً للورود.

أحلام صغيرة

طباعة Email