على خطّ السلبيّات المفتوح تجاه لبنان، بدأت أسراب جراد بالظهور في أجوائه، إذ وصلت إلى البقاع، في حين استنفرت وزارة الزراعة أجهزتها لمواجهة هذه الأسراب، وقامت طوّافات الجيش اللبناني، وبالتنسيق مع وزارة الزراعة، برشّ مبيدات حشريّة في مناطق البقاع الشمالي، في إطار إجراءات مكافحة الجراد، الذي تنذر أسرابه بإبادة أخضر الأرض ومزروعاتها. أمّا اللبنانيّون، الذين باتت تنطبق عليهم مقولة «ما تهزّو، واقف ع شْوار»، فلا يزالون يعيشون حالة من الترقّب والعودة بالذاكرة إلى كتب التاريخ التي تحفظ كارثة المجاعة في عام 1914، وخصوصاً أن مجرّد ذكر اسم الجراد كفيل بإثارة الذعر في نفوسهم، ولا سيّما المزارعين منهم، لكوْن السرْب (في الكيلومتر الواحد) يلتهم نحو 100 ألف طن من النباتات الخضراء، في يوم واحد، وهو ما يكفي لغذاء نصف مليون شخص مدّة سنة. هذا من جهة. كما تقترن هذه الحشرة في ذاكرتهم، من جهة ثانية، بالمجاعة الشهيرة التي شهدها لبنان والتي تسبّبت بها رفوف الجراد بعدما أكلت الأخضر واليابس، إبّان الحرب العالمية الأولى عام 1914، أو «حرب الـ14» كما يسميها اللبنانيّون، وما رافقها من غياب لأشعّة الشمس أياماً عدّة.
ومن العموميّات إلى الخصوصيّات، فوجئ أهالي منطقة عرسال الحدوديّة، منذ يوميْن، بأسراب من الجراد تعبر الجرود من جهة الأراضي السوريّة، وتحاول أن تسبقهم إلى البساتين والحقول في المرتفعات، وبدت أعدادها أكبر بكثير من تلك التي كانت تصل إلى الأراضي اللبنانيّة في السنوات الأخيرة، وهي، وفقاً لما تردّد من معلومات، ربّما تكون كميّات ناجية من عمليات المكافحة المتتالية التي تعرّضت لها في الأردن وسوريا. علماً أنّ أول وصول أسراب الجراد إلى عرسال كان انتشارها على مساحة نحو 50 هكتاراً من الأراضي. إلا أنّ التقارير الواردة من البلدة بقيت تفيد بظهورها في مناطق مختلفة بعد انطلاق حملة مكافحتها، وصولاً إلى رؤيتها بالعين المجرّدة في مواقع قريبة من الأماكن السكنيّة.
ووسط توالي الأزمات التي يتخبّط فيها اللبنانيّون، وآخرها وصول أسراب الجراد إلى البقاع ليقضي على «الأخضر واليابس»، ارتفع منسوب المخاوف من بوّابة وصْف وزير الزراعة في حكومة تصريف الأعمال عباس مرتضى مشهد انتشار الجراد بـ«الكثيف جداً»، «كأنّها سحابة ضباب تغطّي أجواء الجرْد وتحجب الرؤية فيه»، وصف توصيفه الذي لم يخلُ من إبداء تخوّفه من وصول الجراد إلى أراضٍ زراعيّة أخرى في المنطقة. ومن جهة ثانية، قصد مرتضى أن يربط التدابير المتّخذة من قبل وزارته بإطار حماية «الأمن الغذائي» للبنانيين، الذي بات مهدّداً منذ أشهر في لبنان، الأمر الذي تحوّل إلى موضوع استهزاء من قبل بعض من ملأوا صفحات التواصل الاجتماعي بتعليقات حول وصول أسراب الجراد إلى لبنان، ليضعوه في آخر قائمة الأخطار التي يمكن أن تتهدّدهم حالياً، ذلك أنّ الطبقة الحاكمة بالنسبة لمعظم التعليقات «كفّت ووفّت»، فـ«الجوع موجود، والجراد موجود»، إذْ إنّ «الجراد السياسي سبق الجراد الحشري، ولم يترك للّبنانيين لا أخضر ولا يابساً».
إلا أنّ كلام الوزير مرتضى جاء مخالفاً لآراء خبراء بيئيّين وزراعيّين، أكّدوا أنّ مناخ لبنان لا يشكّل حاضنة صالحة لهذا الجراد الصحراوي. وهو ما أوضحه أيضاً المدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود، الذي قال إنّ الوضع في جرود عرسال بالنسبة لمكافحة الجراد «أصبح تحت السيطرة».
وبعيداً من التصريحات الرسميّة وآراء الخبراء في هذا الشأن، وبمعزل عن «جراد سياسيّي المنظومة الحاكمة»، فإنّ لسان حال اللبنانيّين في الساعات الأخيرة كان جراد الطبيعة «يلّلي ما كان ناقصنا غيرو»، وفق قول أحدهم لـ«البيان»، وهو ممّن تابعوا مشاهد الحشرات الوافدة إلى لبنان من البوّابة الجويّة الشماليّة الشرقيّة، قبل أن تعاجلهم السلطات المعنيّة بعبارة «لا داعي للهلع» الشهيرة، المقرونة هذه المرة بإجراءات فاعلة.