لبنان «مكبّل» بانقسام الداخل وصبر الخارج ينفد

في ضوء عودة أزمة تأليف الحكومة اللبنانيّة إلى ما دون مربّع البدايات، وغداة اكتمال دائرة الضغوط العربيّة والإقليميّة والدوليّة في هذا الاتجاه، ارتفع منسوب القلق الداخلي حيال الآتي من التطوّرات.

وهذا القلق لم يأتِ من العدم، بل اقتضاه فعْل التحذيرات الدوليّة من اقتراب زمن محاسبة معطّلي الحلّ في لبنان، وذلك بعد أن جرّب قادة العالم الأساليب الدبلوماسيّة والسياسيّة كلّها مع الطبقة الحاكمة، دون جدوى. وبمعنى أدقّ، طفح كيْل العواصم الكبرى ونفد صبرها، فأنزلت عقوباتها عن الرفّ ووضعتها على نار حامية.

وعلى وقْع حماوة دبلوماسيّة الضغوط الفرنسيّة والمصريّة وما بينهما، وتحريك المساعي لوساطة جامعة الدول العربيّة، وفي ظلّ ما بدا من تبخّر كل إمكانات تعويم الوساطات، داخلية كانت أم خارجيّة، بما يسقط واقعياً أيّ انتظارات لمخارج ممكنة وقريبة المدى، كُشِف النقاب عن أنّ فرنسا والاتحاد الأوروبي يعكفان على إعداد مقترحات، قد تسفر عن تجميد أصول وفرْض حظر سفر على ساسة لبنانيّين، لدفعهم للإتفاق على حكومة لإنقاذ البلاد من الانهيار.

ما قبل العقوبات وبعدها

ومن بوّابة المبادرة الفرنسيّة «المترنّحة»، كما يتردّد حالياً، كان وزير الخارجيّة الفرنسي جان إيف لودريان وجّه، في منتصف شهر ديسمبر الفائت، إنذاراً إلى السياسيّين اللبنانيّين بأنّ بلدهم بات أشبه بـ«سفينة التايتانيك التي تغرق، لكنْ من دون أوركسترا».

وبالأمس القريب، عاود رئيس الدبلوماسيّة الفرنسيّة تحرّكه في اتجاه لبنان، ناطقاً باسم الأسرتيْن الأوروبيّة والدوليّة، ليعلن رفض عملية التعطيل الممنهج لتشكيل الحكومة الجديدة وللمبادرة الفرنسيّة، ملوّحاً بخيارات أخرى في التعاطي مع هذا السلوك، من خلال إشارته إلى «ضرورة التشدّد بالضغوط»، ما يعني، وفق القراءات المتعدّدة، إنذاراً أخيراً، وإلا فإنّ المجتمع الدولي سيُدرج مسؤولين لبنانيّين على قوائمه السوداء. وإذْ عوّل لودريان على استفاقة ضمائر المسؤولين اللبنانيّين بـ«عصا» العقوبات، لأنّ «جزرة» الدعم والمساعدات لم تنفع، إلا أنّ هذا التلويح لم ينفع هو الآخر، وذهب «جرس الإنذار» كصرخةٍ في وادٍ.

ومن بوّابة كلام لودريان، معطوفاً على كلّ ما قيل ويُقال في أنّ الولايات المتحدة الأمريكيّة ودول الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول العربيّة تدرس فرْض عقوبات على شخصيّات لبنانيّة، متّهمة بعرقلة تشكيل الحكومة الجديدة، في إجراءات تبدأ بتجميد أموال ولا تنتهي بحظْر سفر، فإنّ الحكْم على النتيجة يظهِر أنّ الساعات الأخيرة لم تشهد سوى اكتمال دائرة الضغوط العربيّة والإقليميّة والدوليّة في هذا الاتجاه. أمّا الإجراء المنتظر، وفق تأكيد مصادر معنيّة لـ«البيان»، فلن يكون فرنسيّاً فقط، بل أوروبيّاً، وربّما انضمّت إليه أيضاً بعض الدول العربيّة والخليجيّة وواشنطن، وهو سيطال كلّ من تعتبره هذه الأطراف مشاركاً في تعطيل الحلّ السياسي في لبنان.

علماً أنّ بعض التقارير الأوروبيّة تحدّثت عن اتجاه الاتحاد، الذي يضمّ 27 دولة أوروبيّة، إلى فرْض عقوبات على سياسيّين لبنانيّين لعدم إيفائهم بما تعهّدوا به أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فيما يتعلّق بحكومة الاختصاصيين.

مرحلة جديدة

وفي الانتظار، وبحسب تأكيد مصادر سياسيّة مراقبة لـ«البيان»، فإنّ الواقع اللبناني بات مكشوفاً، والحلّ بات معروفاً، والجواب سيتظهّر في الأيام القليلة المقبلة، فيما المجتمع الدولي يقف على عتبة الانتقال إلى مرحلة جديدة في التعاطي مع السلطة السياسيّة ونهجها المتصلّب، بعدما لم تنفع في تبديله الأساليب الدبلوماسيّة والتحذيرات من الأسوأ الآتي. وبالتالي، فإنّ المرحلة الحالية هي مرحلة اختبار لنوايا الجميع، ولحقيقة رغبتهم بتشكيل الحكومة، أو استمرارهم في المناورة واللعب على حافة الهاوية.

طباعة Email