الاشتباك السياسي يزيد من متاعب اللبنانيين

غداة إقدام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على تسطير ما يشبه «مذكرة جلْب» بحقّ رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري إلى قصر بعبدا، مشعلاً «حرب إلغاء» تكليف الأخير، عبر محاصرته بين خياريْن: إمّا الاستسلام للشروط العونيّة أو التنحّي عن مهمّة التأليف، الأمر الذي سرعان ما لاقى ردّاً نارياً من الحريري، وضع من خلاله عون أمام معادلة: التأليف فوراً، وإلا «انتخابات رئاسيّة مبكرة»، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ العهد فتح البلاد على أسوأ الاحتمالات والتداعيات، وفجّر مواجهة غير مسبوقة بين رئيس للجمهورية ورئيس مكلّف تشكيل الحكومة العتيدة، فيما ارتفع منسوب الخشية من احتدام الأزمة، لتسلك مسار الاشتباك الطائفي بين الرئاستين الأولى والثالثة في لبنان.

ووفق معادلته، أكّد الحريري استعداده لتلبية دعوة رئيس الجمهورية إلى اللقاء الـ17 بينهما لـ«التأليف فوراً»، وإلا إفساح المجال أمام إجراء انتخابات رئاسيّة مبكرة، في حال بقي عون عاجزاً عن توقيع مراسيم تشكيل حكومة الاختصاصيّين. وذلك، من بوّابة كوْن الانتخابات الرئاسيّة المبكرة هي الوسيلة الدستوريّة الوحيدة لإلغاء مفاعيل انتخاب عون من قبل مجلس النواب قبل نحو 5 أعوام، وتحديداً في 31 أكتوبر 2016، مع ما يعنيه هذا الرقم في سجلّ تكليف الحريري تشكيل الحكومة الجديدة قبل نحو 5 أشهر، وتحديداً في 22 أكتوبر 2020.


اتجاه معاكس

إلى ذلك، ووسط الانسداد في الأفق الحكومي، كان يُنتظر أن يحرّك تفاقم الأزمة شريكَي التأليف في اتجاه التفاهم على حلول ومخارج للعقد المانعة لولادة الحكومة، إلا أنّ سفن التوقعات أبحرت في الاتجاه المعاكس، وقادت الرئيسين عون والحريري من جديد إلى حلبة الاشتباك، وهذه المرة عبر المنابر الإعلاميّة، وهو الأمر الذي من شأنه، بحسب القراءات المتعدّدة، أن يجرّ البلد إلى اشتباكات سياسيّة تحت العنوان الحكومي. ذلك أنّ عون، المتسلّح بقلم التوقيع، رمى كرة التعطيل في ملعب الحريري، مخيّراً إيّاه بين التفاهم بينهما على حكومة خارج المسودة التي قدّمها، أو إفساح المجال لغيره لتشكيل هذه الحكومة. أمّا الحريري، المتسلّح بورقة التكليف، فأبدى استعداده للبحث في التأليف على قاعدة المسودة الحكومية التي قدّمها، مخيّراً عون بين القبول بها أو بانتخابات رئاسيّة مبكرة.


سابقة موصوفة


وفيما الوضع في لبنان لم يعد يحتمل لا أنصاف الكلمات ولا أنصاف الحلول، ومن بوّابة الرسالة التي وجّهها عون إلى اللبنانيّين، وهو المؤتمن على الدستور وعلى انتظام عمل المؤسّسات، أشارت مصادر مواكبة للملفّ الحكومي لـ«البيان» إلى أنّ إطلالة الأخير زادت «طين» التأليف «بلّة»، وإلى أنّ ما أقدم عليه شكّل «سابقة» موصوفة، إذْ لم يسبق أن خاطب رئيس جمهورية رئيس حكومة مكلّفاً بهذا الشكل «المهين» علناً. وعليه، وفق المصادر نفسها، فإنّ الأمور بلغت مستويات غير مسبوقة من التصعيد والتراشق الرئاسي، وذلك بعدما استنفد عون كلّ محاولات إحراج الحريري لإخراجه.

وفي انتظار نتيجة تلبية الحريري الدعوة «الفوريّة» لزيارة قصر بعبدا خلال الساعات المقبلة، فإنّ أوساطه استبقت هذه الخطوة بالإشارة إلى أنّ رئيس الجمهورية «قلب طاولة التأليف» في وجه الجميع، وليس في وجه الحريري وحده، مستهدفاً كلّ الوساطات والمبادرات، كما كلّ الضغوطات الداخليّة والخارجيّة على حدّ سواء، في حين ضجّت القراءات السياسيّة بالإشارة إلى أنّ العلاقة بين عون والحريري وصلت إلى الحائط المسدود، وأنّ الأمور بينهما صارت مفتوحة على شتّى الاحتمالات، في وقت يندفع البلد مُسرعاً نحو السقوط في هاوية كارثيّة، لن يبقى معها بلد أو رئاسات أو أيّ شيء، إنْ استمرّ الدفع إليها كما هو جارٍ على خطّ الاشتباك بين شريكَي التأليف.

طباعة Email