نزيف السنوات العشر متواصل لأكبر مأساة بعد الحرب العالمية الثانية

هل من رابح في الحرب السورية؟

غداً يكون قد مر على الأزمة السورية عشر سنوات، كانت في معظمها حرباً أسفرت عن أكبر كارثة شهدها العالم خلال القرن الحادي والعشرين، باعتراف الأمم المتحدة، التي قالت في العام 2016 إن الحرب السورية أكبر مأساة بعد الحرب العالمية الثانية، لما لها من آثار مدمرة على العالم.

الحصيلة المرة في هذه الحرب دفع ثمنها العالم بأسره ودول المنطقة، وخصوصاً دول الجوار التي كانت على خط النار في الحرب، خلال السنوات العشر الماضية، وكانت الحدود الإقليمية عرضة للتوترات وموجات اللجوء، فيما دفعت الدول الأوروبية أيضاً فاتورة هذه الحرب من خلال أكبر موجة نزوح في العالم بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال كل هذه الدول تعاني من صداع على المستويات كافة فيما الحل يظهر ويغيب دون وضوح في الرؤية فما هي نتيجة هذه الحرب التي لم تغير المعادلات في سوريا؟

مستنقع جديد

وبدلاً من أن تكون سوريا عامل الاستقرار التاريخي في المنطقة وحجر الأساس في منظومة الأمن العربي، تحولت إلى مستنقع جديد يثير القلق والمخاوف سيما وأنها على الحدود العراقية بطول 600 كيلومتر تقريباً، وهذا جعل الدولتين الرئيستين في المنطقة تعانيان من فقدان الأمن الاستراتيجي، الأمر الذي انعكس على كل دول المنطقة.

ونتيجة أهمية الموقع الاستراتيجي لسوريا، استغلت التنظيمات المتطرفة العابرة للحدود هذا الموقع وعمدت إلى تحويل هذه الجغرافيا إلى أخطر بقعة على المستوى العالمي، تستقطب كل التيارات الإرهابية في العالم، حتى تحولت إلى إمارة مزعومة على يد تنظيم داعش وصندوق بريد يوزع التطرف على كل دول الجوار والعالم، كانت هذه المسألة أكبر المتغيرات التي طرأت على دور سوريا الأمني في المنطقة، وحتى الآن يعاني العالم من مضاعفات هذه التنظيمات الإرهابية.

دولة ممزقة

حولت الحرب الدولة السورية المحورية على مستوى المنطقة إلى دولة ممزقة مقسمة إلى ثلاث مناطق، فيما (العاصمة) دمشق الأكثر عزلة بين هذه الأقاليم الثلاثة.

مناطق شمال غرب سوريا، وهي مناطق سيطرة الفصائل المدعومة من تركيا، تحمل نسقاً اجتماعياً وأيديولوجيا مختلفاً عن المناطق الأخرى، بحيث تسيطر عليها تنظيمات إرهابية منها تنظيم هيئة تحرير الشام (القاعدة)، الذي تحوّل بشكل غير معلن إلى إدارة خاصة في إدلب وريفها، فضلاً عن مناطق ريف حلب الشمالي، حتى أن هذه المناطق اتخذت من الليرة التركية عملتها الرسمية، الأمر الذي دفع إلى ارتباط هذه المناطق بتركيا.

المنطقة الثانية، شمال شرق سوريا وتشكل حوالي 29% من الأراضي السورية ويسكنها ما يقارب 4 ملايين نسمة، إلا أن هذه المناطق تعيش في مستوى اقتصادي أفضل بسبب النفط وحرية التجارة الداخلية، فضلاً عن وجود القوات الأمريكية الذي عكس حالة من الاستقرار الذي يصفه البعض بالمؤقت بسبب الصراع الإقليمي، وتذبذب علاقتها بالمركز (دمشق)، وهي كذلك تعيش في ظل قوانين مدنية وعسكرية ونفسية خاصة تختلف عن مناطق غرب الفرات وكذلك المركز.

معاناة مضاعفة

المنطقة الثالثة؛ وهي الأكثر معاناة، تلك التي تسيطر عليها الحكومة السورية وتتمركز في العاصمة دمشق والساحل السوري بالإضافة إلى بعض محافظات الداخل مثل حمص وحماة بالإضافة إلى مدينة حلب، قلب المدن الصناعية في سوريا.

لكن على الرغم من اتساع هذه المساحة وأهميتها الاستراتيجية إلا أنها تعاني من أمرين مؤلمين؛ الأول وجود العقوبات الاقتصادية على الدولة، ما ينعكس على الصناعة والقطاعات الإنتاجية الأخرى، لعدم القدرة على الاستيراد والتصدير، وبالتالي تحولت هذه المصانع إلى عبء على الدولة وعلى أصحابها، فضلاً عن تذبذب قيمة الدولار بالمقارنة مع الليرة السورية.

أما المعاناة الثانية في مناطق سيطرة الحكومة السورية، هو فقر هذه المناطق من ناحية الثروات الزراعية وكذلك الموارد الباطنية وخصوصاً النفط، الأمر الذي جعل هذه المناطق أكثر معاناة بسبب تزايد عدد السكان وعودة اللاجئين من بعض دول الجوار، بالإضافة إلى عدم قدرة الحكومة السورية على تلبية كل احتياجات السكان المحليين بسبب مضاعفات الحرب.

المستوى الاجتماعي

في تقرير صادم لمنظمة الصليب الأحمر الدولية حيث أجرت مسحاً على 1400 شاب سوري من الداخل والخارج، خلصت إلى أن الفئة العمرية في سوريا ما بين 18 إلى 25 عاماً كانت الأكثر تضرراً من الحرب، وهي الطبقة الأساسية في المجتمع السوري وأساس النهضة الاجتماعية والاقتصادية في سوريا.

وقال المدير الإقليمي للشرق الأوسط باللجنة الدولية للصليب الأحمر، فابريزيو كاربوني إحدى النتائج الصادمة التي خرج بها الاستطلاع هي أننا أدركنا أن 50 في المئة من السوريين إما قُتل أحد أصدقائهم أو أحد أفراد أسرتهم... وأن واحداً من بين كل ستة سوريين إما قُتل أو جرح أحد أفراد عائلتهم.

أما إحصاءات وتقارير الأمم المتحدة في سوريا، فتشير إلى أن حوالي 20 مليون شخص تقريباً غيرت الحرب حياتهم داخل سوريا، بعدما أعادت رسم خارطة النفوذ والسيطرة، فيما 11 مليوناً منهم يعيشون في مناطق تحت سيطرة القوات الحكومية، بعدما تمكنت هذه القوات بدعم من حلفائها خصوصاً روسيا، من استعادة أكثر من 60 في المئة من مساحة سوريا، وفق الخبير في الجغرافيا السورية فابريس بالانش، إلا أن الإحصاءات المحلية تشير إلى أرقام أكثر ضخامة في التقدير.

كانت المحصلة نتيجة هذا الصراع المرير فقدان سوريا كل مقوماتها التاريخية والسياسية والبشرية والاقتصادية، دون تغيير في معادلة الحكم، بل تحولت سوريا إلى منطقة نزاع إقليمية ودولية وصعدت إلى سلم الأزمات الدولية دون القدرة على حسم هذا الصراع الذي استنزف الجميع فيه كل أوراقه.

دعوة أممية

دعا المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، المجتمع الدولي، إلى انتهاج دبلوماسية دولية تتسم بالانسجام، بعيداً عن الانقسام، والمنافسة الجيوسياسية، من أجل التوصل لحل سلمي للأزمة السورية.

وخلال جلسة مجلس الأمن الدولي حول سوريا، الليلة قبل الماضية، بمناسبة مرور 10 سنوات، أعرب بيدرسون، عن عميق أسف الأمم المتحدة لأنها لم تتمكن حتى الآن من التوسط لإنهاء هذا الصراع المأساوي، الذي وصفه بأنه من بين الصراعات الأكثر تدويلاً.

طباعة Email