لبنان في دوّامة فوضاه والغضب يتزايد

على وقْع تفاقم الانهيار الاقتصادي والمالي، مشفوعاً بتعاظم الاشتباك السياسي حول الاستحقاق الحكومي، استعاد اللبنانيّون النسخة الأقرب والأكثر تطابقاً من بدايات انتفاضة 17 أكتوبر 2019، والتي عكست عودة التعبير الاحتجاجي، العابر للمناطق والطوائف والطبقات على اختلافها، مع ما انطوت عليه من رسائل لا تحتاج إلى تفسيرات وقراءات واجتهادات. ومن هنا، كانت الرسالة الأهمّ في ما يتصل بالتحرّكات الاحتجاجية، والتي اختزنت تأكيداً من قائد الجيش العماد جوزيف عون على الجهوزيّة التامّة لتولّي مهمّات حفظ الأمن والاستقرار، لكنْ من دون إبداء أيّ جهوزيّة لقمْع المواطنين اللبنانيين والتصادم معهم خدمة لأجندات سلطويّة وسياسيّة.

أمّا في حصيلة المشهد، فلبنانيّون يصرخون في الشارع من ضيق الحال، وآخرون عالقون على الطرقات ليسوا بأفضل حالاً، والدولار تتلاعب به منصّات الصرّافين ونوايا بعض السياسيّين، والتوتّرات الأمنيّة نجحت حتى الآن في شحْن البلد بأجواء شديدة الاحتقان والخطورة، سياسيّاً وطائفيّاً، ولا نيّة لدى أحد، على ما يبدو إلى الآن، للتفكير بهدوء ورؤية الصورة التي «اختنقت» إلى أبعد الحدود. وبهذا المعنى، بات المشهد الداخلي تحت رحمة معادلة تتحكّم به، وتتكوّن من عنصريْن متوازيين لا يلتقيان: غضب شعبي متصاعد، مقابل غيبوبة سياسيّة مستحكِمة.

وقائع.. ومؤشّرات

وفي ظلّ الانسداد السياسي الآخذ في الاشتداد، وبعد أيام متواصلة من تجدّد موجات الاحتجاجات الشعبيّة، على خلفيّة تحليق سعر الدولار الأمريكي في السوق السوداء واختراقه السقوف والخطوط الحمراء، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ لبنان صار على فوهة الفوضى الشاملة، وأن لا مجال على الإطلاق للهروب من هذه الحقيقة السوداء. والحال أنّ الحديث عن انفجار اجتماعي لم يعد مجرّد إثارة لسيناريو قد يحصل أو لا يحصل، بعدما تعاقبت طلائعه واقعياً في الأيام الأخيرة، وذلك، في خضمّ ارتفاع منسوب الكلام عن أنّ الموجات الاحتجاجيّة المشروعة قد تغدو عرضة لاستهدافات من جانب أفرقاء السلطة وحلفائها، نظراً إلى ما يشكّله الضغط الشعبي التصاعدي من تعرية شاملة لبقايا شرعيّة هذه السلطة.

عكس التناقض الصارخ بين موقف السلطة السياسيّة الحاكمة، التي لم تبدّل حرفاً في مسار الأزمة، والقيادة العسكريّة، التي بدت أقرب ما تكون إلى صفّ اللبنانيّين المعترضين والمحتجّين، صورة لعلّها الأكثر إفصاحاً عن محاصرة الأزمات المصيريّة لدولة فشلت في مواجهة انهيارات البلاد، وعاندت سلطتها السياسيّة في لعبة المصالح، بمنْع تشكيل حكومة إنقاذيّة، إلى أن بدأت الآن الارتدادات الخطيرة ترتدّ عليها بأوخم العواقب.

سيناريوهان

ووسط المخاوف من توتّرات أمنيّة شديدة الخطورة في كلّ لبنان، بات من الصعب الكلام عن أكثر من سيناريوهين: الأوّل، استمرار التدهور المالي والغضب الشعبي والعجز السياسي وصولاً إلى الفوضى الشاملة. وهنا تقع المسؤوليّة في هذا السيناريو على عاتق الفريق الحاكم. أمّا السيناريو الثاني، فيتمثل بتوظيف التسخين المدروس، مالياً وشعبياً، للضغط على رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلّف سعد الحريري من أجل تأليف الحكومة، لأنّ الفوضى مرفوضة داخلياً وخارجياً، ولا مؤشرات إلى ترْك لبنان ينزلق نحو الانفجار الذي لا يشكّل مطلباً داخلياً ولا خارجياً.

طباعة Email