لبنان «يحترق» بلهيب الدولار.. و«ثورة الغضب» تتمدّد

على امتداد مساحته، شرقاً وشمالاً وجنوباً وبقاعاً وساحلاً، ولليوم الثاني على التوالي، شهد لبنان انفجار الغضب الشعبي، وإقفال الطرق بالإطارات المشتعلة، تعبيراً عن قهرٍ ومرارة، كسلاحٍ وحيد لفرْض التغيير، وضخّ النبْض في ثورة من ناس «مشتعلة»، وهذا المشهد لم يأتِ من العدم، إذ تجاوز الدولار في «السوق السوداء» حاجز الـ10 آلاف ليرة لبنانيّة، بلا رقيب أو حسيب.

وعلى مرأى ومسمع من أركان المنظومة الحاكمة الممعِنة في غيّ محاصصاتها السلطويّة، على حساب هموم البلد وأبنائه، كوَت «السوق السوداء»، بنيرانها، اللبنانيّين من مختلف المناطق والطوائف، وتركتهم يقاتلون الفقر والجوع بـ«اللحم الحيّ».

وعليه اتّسعت رقعة الغليان، لتنبئ بأنّ الأمور بدأت تتجه نحو انفجار اجتماعي كبير، بحسب تعبير مصادر متابعة لـ«البيان»، التي أشارت إلى أنّ قوى السلطة لن تستعجل الحلول، ولا قمْع ‏التحرّكات الميدانيّة، إنّما ستحاول استخدام وجع الناس، كورقة ضاغطة في لعبة «عضّ ‏الأصابع»، التي تخوضها في مواجهة بعضها البعض، أملاً بأن تدفع حماوة الاضطرابات في ‏الشارع، هذا الفريق أو ذاك، إلى تقديم تنازلات، لم يكن ليقدّمها في ما لو استمرت الأوضاع ‏محكومة بوضعية الـ «ستاتيكو»، حتى إنّ بعض هذه القوى لن تتوانى عن السعي إلى ركب ‏موجة غضب الناس، ومحاولة تجييرها باتجاه تصفية الحسابات السياسيّة مع خصومه.

المشهد «المشتعل»

وهكذا، تفجّر الغضب الشعبي بعنف، بفعْل جنون سعر الدولار، الذي ‏تجاوز العشرة آلاف ليرة، وتدهور قيمة العملة الوطنيّة، ومعه بدا لبنان على نار ويحترق، أو على فوهة بركان، ما أعاد مشهد ‏الشارع إلى «ثورة 17 أكتوبر»، والتي يبدو أنّها تجدّدت، وقد ‏تكون هذه المرة أكثر عنفاً، في ظلّ استمرار عجْز السلطة عن لجْم ‏الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي، الذي بلغ مستويات خطيرة، ‏وتلهّي المنظومة السياسيّة بنزاع حول حكومة لم تولد بعد.

وعلى وقْع «ثورة الغضب»، التي عمّت بيروت وغالبية المناطق اللبنانيّة، ارتفع منسوب المطالبة بـ«حكومة على دولاب مشتعل»، وذلك عبر اتخاذ قرارات سريعة، وتقديم تنازلات، وعقْد اجتماعات مكثّفة لتحريك الحلّ.

ذلك أنّ الأمور خرجت عن السيطرة، والآتي أعظم، بحسب خلاصة القراءات المتعدّدة، فيما لم يعد بمقدور الطبقة الحاكمة لجْم أهوال الانهيار، وسحْب فتائل ‏الانفجار، لا ‏سيّما أنّ تأثيرات الوضع المتأزّم، هي بمثابة «دائرة متكاملة»، تبدأ من نقطة معيّنة، لكنّ تداعياتها لا تتوقف عندها، بل سرعان ما تنتقل من قطاع إلى آخر، ومن ‏بقعة إلى أخرى، لتشمل بعد انتهاء دورتها، جميع جوانب معيشة اللبنانيّين.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أنّ الناشطين بدأوا العدّ لـ«الاحتفاء» بسعر الـ 10452، في دلالة إلى وسْع مساحة لبنان، مع ما يعنيه في حساباتهم من ضرورة التوسّع الجغرافي، لأنّ أياً من المساحات لن يكفي لتمدّد العملة الصعبة والأصعب، بحسب تعبير كثيرين منهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن بوّابة لبنان «المقطّع الأوصال»، حيث تنتشر الإطارات المحترقة على طرقه، ويظلّل فضاءه ‏وسماءه دخان أسود قاتم، وتحتشد مجموعات المحتجّين على كلّ الطرق، فإنّ المشهد يشكّل النذير المتقدّم للغاية لاستعادة انتفاضة، ربّما تكون هذه المرّة أخطر الانتفاضات، ‏لأنّها صنيعة الجوع والفقر. وسواء شكّلت هذه التطوّرات نذير انتفاضة اجتماعية عارمة جديدة، أو ‏نسخة متجدّدة ومتبدّلة للانتفاضة السابقة، فإنّ الانطباعات السائدة، تشير إلى معطيات ‏بالغة الخطورة، تنذر فعلاً بانفجار اجتماعي غير مسبوق، تحت شعار «متْنا من الجوع»، فيما لا عذر أبداً لـ«المتفرّجين».

طباعة Email