الحسكة.. سلة سوريا الزراعية تتحدى شبح الحرب

بسبب الموقع الجغرافي لمحافظة الحسكة في الشمال الشرقي من سوريا، فإن الكثير من المعطيات والمعلومات تغيب عن المتابعين لهذه المحافظة الغنية بكل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، بل إن الحسكة بمدنها الأربع (القامشلي – المالكي - عامودا - رأس العين)، تعد التاج الاقتصادي لسوريا نظراً لمساحتها الواسعة التي عادة ما تدر القمح المادة الاستراتيجية في سوريا في زمن الحروب.

يبلغ عدد سكان الحسكة قبل الأزمة السورية عام 2011 مليوناً وثلاثمئة ألف نسمة يتوزعون بين كل المذاهب والعرقيات على مدى قرن من الزمان، إذ توافدت كل هذه التشكيلات إلى المدينة وأريافها على مدار سنوات وتعايشت دون نتوءات طائفية أو مذهبية، إلا أن الأزمة السورية وعلى العكس من كل المدن الأخرى، أضافت إلى هذه المدينة أعداداً كبيرة من السكان المهاجرين من مدنهم بسبب الحرب، ولتكون الحسكة على مدار السنوات الأخيرة ملجأ للهاربين من جحيم الحرب.

على مدى السنوات الأخيرة لم تشهد مدينة الحسكة أو مدنها وريفها أياً من الحروب الأهلية على المستوى العرقي أو الديني أو المذهبي، علماً أن هذه المدينة تعبر خزان التشكيلات السورية، إذ يعيش فيها المسلمون إلى جانب المسيحيين وبعض الأسر اليهودية، فيما تتعايش بقية الأعراق من عرب وكرد وتركمان وشركس وشيشان وعرقيات أخرى، ومن دون محاولات تنمر من أحد الأطراف.

سلة وفيرة

أما على المستوى الاقتصادي، فكانت الحسكة ولا تزال السلة الغذائية الوفيرة لكل سوريا، حيث تحتل المرتبة الأولى بإنتاج القمح، فيما تتوزع آبار النفط على مساحة واسعة من ريف المدينة تمتد إلى الحدود العراقية، حيث يقدر عدد الآبار النفطية في هذه المحافظة بـ1300 بئر نفطية، يأتي حقل رميلان النفطي والجبسة والهول في أولويتها، فضلاً عن حقول الغاز الطبيعي.

1717 قرية في محافظة الحسكة، تتداخل فيها بين العرب والكرد وبعض المذاهب والطوائف الأخرى، معظم هؤلاء يعملون في الزراعة، الأمر الذي يتطلب بطبيعة الحال التعاون الاجتماعي بسبب طبيعة الحياة، ولعل هذا الجانب الزراعي في المحافظة وريفها، خلق حالة التعايش بين الطرفين، إذ لم تعش المدينة في تاريخها أي حالة خلاف أو مواجهات بين الأقليات العرقية والمذهبية، باستثناء حالة 2004 بين الكرد والعرب على خلفية مباراة كرة القدم بين فريقين أحدهما عربي والآخر كردي، إلا أن هذا الخلاف لم يستمر أيام حتى انتهى.

عمق تاريخي

تشير الآثار في هذه المدينة إلى عمق تاريخي كبير، وحالة اجتماعية مستقرة بين كل المكونات، ذلك أن المجتمعات المستقرة هي المجتمعات المنتجة حضارياً، وفي تل حلف الأثري يبدو عمق تاريخ هذه المحافظة، حيث تفيد التنقيبات بطبقات حضارية ومنحوتات بازلتية كانت تزين جدران مباني المعبد والقصر، كما عثر على لقى فخارية ومجموعات من الخزف الملون تعود إلى الألفين الرابع والخامس قبل الميلاد، تل حلف جزء صغير من الخريطة الأثرية في هذه المحافظة، إذ هناك تل عجاجة وتل حطين وبري وموزان، جميعها يعكس التاريخ البعيد لهذه المحافظة.

أما على المستوى العشائري العربي، فيشار إلى هذه المحافظة بكونها الخزان الكبير للعشائر العربية والكردية جنباً إلى جنب نتيجة موقعها الاستراتيجي في الشمال على الحدود التركية، إذ تختلط العشائر الكردية على طرفي الحدود، فيما تمتد المحافظة أيضاً على الحدود العراقية، حيث كبريات العشائر العربية من عشيرة طي، إذ تعد الحسكة أكبر تجمع لهم، بالإضافة إلى قبيلة شمر وشيوخها الذي ينقسمون بين سوريا والعراق، فضلاً عن عشائر عربية أخرى.

أما العشائر الكردية، فهي بالمثل واسعة وكبيرة ومتنوعة، ومنها الكيكية والدقورية والأومرية بالإضافة إلى أسماء كبيرة من العشائر الكردية الأخرى، وعلى أساس هذا التنوع الكبير لمحافظة الحسكة اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، حافظت الحسكة طوال العقود الأخيرة على هذا الانسجام، حتى في بداية الانفجار السوري الكبير في عام 2011 بقيت الحسكة خارج هذه التجاذبات إلى هذه اللحظة.

كلمات دالة:
  • الحسكة ،
  • الحرب،
  • الموقع الجغرافي،
  • الأزمة السورية
طباعة Email