وسط الانسداد السياسي الآخذ في التصلّب، من دون مؤشرات داخليّة تنبئ ببداية أيّ حلحلة على مسار تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة، إذْ لا يزال الرئيس ميشال عون ورئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري يسيران على حلبة التأليف كخطّين متوازيين لا يلتقيان، والهوّة بينهما آخذة بالاتّساع أكثر فأكثر، فإنّ في خلفية المشهد، المثقل بالخلافات على الحصص والحقائب وعلى قراءة الدستور وتفسيره وعلى كيفيّة التأليف، حضوراً لطيْف الانتخابات الرئاسيّة في 2022 التي تعد، وفق القراءات السياسيّة، العامل الخفيّ، ولكن الأكثر تأثيراً في لعبة التشكيل، وتضاهي بتداعياتها العامل الإقليمي المعطّل للاستحقاق.

وبهذا المعنى، لم تعد القضية قضيّة تباين في وجهات النظر أو اختلاف في التوجّهات، بين الرئيسيْن المعنيّيْن بعمليّة التأليف، بل أضحت على الملأ مسألة «أحقاد دفينة»، فجّر منابعها استبعاد الوريث السياسي للرئيس عون، رئيس «التيار الوطني الحرّ» النائب جبران باسيل، عن تشكيلة الحكومة العتيدة، المفترض أن تكون إنقاذيّة.

ومن هنا، رفع عون السقوف في وجه الحريري، وعيْنه على أمريْن: إمّا دفعه إلى الاعتذار عن التكليف، أو إجباره على إعطاء الفريق الرئاسي في الحكومة ثلثاً معطّلاً مريحاً له. وبالتالي، فإنّ التعثّر الحكومي سيبقى على حاله، ومعه الاشتباك بين الطرفيْن أيضاً، إلى حين بلورة تفاهم شامل بين الحريري وباسيل. ولعلّ الاتهامات التي تطال عون، ومن بينها الانقلاب على «اتفاق الطائف» ومحاولة إدارة البلاد عبر سلطات رديفة خاضعة لنفوذه السياسي، وأبرزها «المجلس الأعلى للدفاع»، تصبّ في هذا المنحى.

كيان موازٍ

وفي الانتظار، وتحت حجّة الانهيار ومواجهته في ظلّ حكومة تصريف الأعمال الحالية، بدا لافتاً لجوء عون إلى استحضار المجلس الأعلى للدفاع، الذي يترأسه هو، مراراً وتكراراً، كخيارٍ له في القراءات السياسيّة تفسير واحد: تكريس «الأعلى للدفاع» كياناً موازياً للحكومة، وإنْ كان هذا المجلس يحتاج إلى ظروف أمنيّة واستثنائيّة للانعقاد. علماً أنّ عون كان يلجأ إلى هذا الخيار عندما كانت الحكومة أصيلة، ويتخذ من «الأعلى للدفاع» مظلّة لفرْض مسار معيّن على الحكومات.

أمّا الهدف من خلال هذه الخطوة الرئاسيّة، فله في القراءات السياسيّة أكثر من تفسير، بدءاً من التأكيد على مركزيّة القرار في القصر الجمهوري وليس في السراي الحكومي، ووصولاً إلى تهميش دوْر الوزير في وزارته. وما بين حدَّي هذه القراءات، حديث عن نيّة رئاسيّة بتحويل المجلس الأعلى للدفاع إلى حكومة عسكريّة جديدة، أسوة بالحكومة التي شُكّلت برئاسته عام 1988، في نهاية عهد رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، وذلك بهدف إنقاذ وريثه السياسي باسيل وإعادة تعويمه، علّه يستعيد حظوظه الرئاسيّة التي تراجعت بفعْل «انتفاضة 17 أكتوبر».

وبناءً عليه، ارتفع منسوب الكلام عن أنّ عون حوّل المجلس الأعلى للدفاع إلى مجلس رئاسي يستولي على صلاحيات منوطة أساساً بمجلس الوزراء مجتمعاً، ما يشي بأنّه قرّر الاستغناء عن الحكومة، تصريفاً وتأليفاً.

وذلك، بعيداً عن المادة 65 من الدستور التي تنصّ على أنّ الحكومة هي السلطة المخوّلة بإدارة أمور البلاد والعباد وتضع السياسات العامّة في المجالات كافة، وبعيداً عن كوْن «الأعلى للدفاع» لا يمكن له أن يحلّ مكان الحكومة على الإطلاق، لا قانوناً ولا دستوراً.

مأزق سياسي

وبمعنى أدقّ، فإنّ ما يجري يؤشّر، وفق تأكيد مصادر سياسيّة لـ«البيان»، إلى المأزق السياسي الذي يعيشه العهد وتعيشه الطبقة السياسيّة كلّها، وسط ما يتردّد من معلومات مفادها أنّ ما تبقّى من العهد سيكون حافلاً بالكثير من الانهيارات. أمّا رئيس الوزراء المكلّف، ووفق مصادره، فباقٍ على تريّثه بانتظار تبلور الصورة نهائياً، ليبني على الشيء مقتضاه.