ريبورتاج

غزة القديمة.. عبق آلاف السنين

غزة القديمة تروي على أرضها حكايات وقصصاً عشقها الساكن فيها، فقد بنيت على هذه الطريقة المعمارية منذ زمن بعيد، لتبقى لوحة مسكونة بخطوات من مروا عليها عبر الزمن وأقاموا فيها من أقوام وشعوب، غزة العتيقة تحمل عبق آلاف السنين من معمار أثري.

وفي كل حي منها تهب عليك رائحة تشعرك بعظيم تاريخها وحضارتها ومكانتها وهي تحاكي مثيلاتها من مدن الشرق القديمة، ترى فيها «بائع الخروب» أمام صبابته الأثرية في شارع «فهمي بيك» وما أن تشرب من خروبه الرائع تتمتع وأنت تبصر الوجه القديم لغزة، وإذا أردت السير في حاراتها القديمة ستشم رائحة التاريخ في بيوتها القديمة الشامخة والعنيدة، سوق مسقوف بالقباب، ومقامات راسخة، هنا في هذه المدينة غزل الغزيون حكاياتهم في زمن «غزة بلد العزة».

من يسير في طرقاتها تصادفه الجدران العتيقة التي تتميز بالبناء العتيق، والأقواس التي تتميز بلونها الرملي والتي تعود إلى الحقبة العثمانية، وجزء آخر يعود للحقبة المملوكية، حالها كحال المدن العريقة كأريحا الفلسطينية، وبابل العراقية، وبيروت، ودمشق. مدينة تعاقبت عليها العديد من الحضارات، نظراً لموقعها المميز، ما ساهم في رسم طابع معماري خاص بها في كل حقبة تاريخية.

حضارات متعاقبة

غزة القديمة من أقدم المدن المتجذرة في عمق التاريخ، تعاقبت عليها العديد من الحضارات، نظراً لموقعها الجغرافي المهم، ما ساهم في رسم طابع معماري خاص بها في كل حقبة تاريخية، فقد كانت البلدة القديمة بغزة تتكون من أربعة أحياء، هي: الدرج، والزيتون، والشجاعية، والتفاح.

ومع مرور الزمن، امتدت البلدة القديمة وتوسعت مساحتها، وتمدد البناء الخرساني الجديد، فساهم في تهدم واندثار العديد من المباني القديمة، وتدريجياً اختفت ملامح البلدة القديمة ولم يبقَ إلا القليل من المباني الأثرية القديمة وهو ما يقارب 146 بيتاً، وتمثل حوالي 80% مما هو متوفر من مبانٍ تقليدية، أما الجزء المتبقي فهو عبارة عن مبانٍ عامة كالمساجد والكنائس والزوايا والمدارس والمقابر والأسواق والحمامات، ومعظم هذه المباني تعود إلى الفترة المملوكية والعثمانية، وتتوزع البيوت التقليدية على أحياء البلدة القديمة، بحيث تركزت في أحياء الدرج والزيتون والشجاعية، والعدد الأكبر منها مهجور وغير مستخدم، ومنها لا يزال مسكوناً كمبنى سكني أو كمراكز ثقافية لخدمة الناس.

عمران مميز

النظام الإنشائي الذي بنيت فيه البيوت التقليدية في مدينة غزة هو نظام الحوائط الحاملة، ومادة البناء الأساسية هي الحجر الرملي، بالإضافة إلى الحجر الجيري والرخامي والفخار والطين، ولا يزال يوجد نماذج مميزة من البيوت التقليدية في البلدة القديمة بغزة تشهد على عراقتها وأصالتها.

وهنا يسهب المؤرخ «أحمد أبو رواع» في بعض أحياء البلدة القديمة وبدأ حديثة عن «حي الدرج»:

يقول أبو رواع: حي الدرج يقع وسط مدينة غزة، وتبلغ مساحته 2432 دونماً، وتعود تسميته إلى الحقبة العثمانية، حيث سمي بذلك بسبب التدرج الطبوغرافي له، وكان يسمى سابقاً «حي بنى عامر» نسبة لقبيلة بني عامر العربية التي سكنته مع بداية الفتح الإسلامي، ثم حي «البرجلية» نسبة للمحاربين المدافعين عن أبراج المدينة في العصر المملوكي.

ويضم حي الدرج العديد من الحارات منها: السيد هاشم، والسدرة، وقرقش، والفواخير، وبني عامر، وبلغ عدد سكانه (عام 2020)، حوالي 60 ألف نسمة.



ويضيف الرواغ أن الحي تميز بأسواقه القديمة، ومنها «سوق القيسارية» الذي ما زال ماثلاً حتى اليوم، و«خان الكتان» المندثر و«سوق الغلال» الذي ما زالت أجزاء من آثاره باقية حتى اليوم.

وما زال في هذا الحي «حارة الفواخير» التي اشتهرت بصناعة الفخار، وبهذا الحي أنشأ المسلمون العديد من المساجد والزوايا والحمامات والمدارس والمكتبات، ومن أهمها الجامع العمري الكبير، ويقع وسط حي الدرج.

ومن أهم مساجد هذا الحي مسجد السيد هاشم، الذي يعتقد بأن السيد هاشم (جد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم) مدفون فيه، والراجح أن المماليك هم أول من أنشأه.

ويضيف: من أهم بنايات هذا الحي الأثرية الماثلة حتى اليوم، قصر الباشا أو ما عرف بقصر «آل رضوان»، وقد تم بناء هذا القصر يوم كان أمراء غـزة من آل رضوان يحكمون المدينة في بداية الفترة العثمانية وحتى القرن السابع عشر تقريباً، أما نابليون بونابرت فقد اتخذ من هذه القصر مقراً له لعدة أيام أثناء غزوه مدينة عكا سنة 1799م، وعرفت أيضاً بـ«قلعة نابليون».

حي الزيتون



يقول الرواغ أن حي الزيتون أكبر أحياء مدينة غزة من حيث المساحة (نحو 9156 دونماً) وثاني أكبرها من حيث عدد السكان، ويقع في قلب المدينة القديمة.

 سمي بحي الزيتون لكثرة أشجار الزيتون التي ما زالت تغطي معظم أراضيه الجنوبية حتى اليوم، رغم ما دمره الاحتلال الإسرائيلي في اجتياحاته المتكررة للمنطقة.

ويمثل حي الزيتون الجزء المكمل لحي الدرج تجارياً وسكنياً قبل الحرب العالمية الأولى عندما كانا يمثلان كتلة عمرانية واحدة قبل شق شارع «جمال باشا» إبان الحرب الأولى.

والذي سمي فيما بعد وفي الثلاثينيات من هذا القرن باسمه الحالي (شارع عمر المختار) ويوجد في هذا الحي العديد من بيوت الله الأثرية، كجامع الشمعة الذي اندثرت معالمه القديمة، وقصف في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، ومسجد «العجمي» وجامع «كاتب الولاية» الذي ما زال يحتفظ بتراثه القديم وخاصة مئذنته التي جاء على أسفلها كتابة تعود لسنة 735م.

ويقول الرواغ: كان عند الطرف الجنوبي لهذا الحي مقبرة يطلق عليها «تربة الشهداء» يتوسطها أعمدة رخامية نقشت عليها أسماء العديد من الشهداء الذين استشهدوا في الحروب ضد الغزاة وهم يدافعون عن المدينة، لذا كان يطلق عليه أحياناً وحتى اليوم «حارة العواميد»، ومن آثار هذا الحي الدينية أيضاً كنيسة «بيرفوريوس»، والتي بنيت في القرن الخامس الميلادي، كما جاء على بلاطة صغيرة أعلى عتبات باب الكنيسة، وفيها قبر الأسقف «بيرفوريوس».

حي الشجاعية



الباحثة وأستاذة التاريخ والآثار عبير عليان، تقول، حي الشجاعية يقع إلى الشرق مباشرة من المدينة التَلِّيَّة القديمة، وتبلغ مساحته الإجمالية حوالي 14305 دونمات، ويضم حي الشجاعية 4 مناطق سكنية وهي: التركمان والتركمان الشرقية والجديدة والجديدة الشرقية. وبُنى حي الشجاعية خارج أسوار مدينة غزة التلِّيَّة، وعند نهاية سفوحها، خلال عهد الأيوبيين. يسكنه أكثر من 115 ألف نسمة عام 2020 وازدهر في الحقبة المملوكية.

وتعود تسميته بهذا الاسم نسبة إلى الشهيد «شجاع الدين الكردي»، الذي استشهد في إحدى المعارك بين الأيوبيين والصليبيين سنة 637 هجري، حيث انتصر فيها المسلمين وكانت بعد معركة حطين.

وتضيف عليان أن حي الشجاعية يمتاز بأنه منطقة تجارية فيها كل الأشكال التجارية والورش، وفيه أكبر سوق متخصص في الملابس والسلع المنزلية بالمدينة، وهو «سوق الشجاعية» الواقع عند مدخل الحي من المدينة القديمة.

ومن أهم أسواقه أيضا سوق الجمعة الذي يوجد به «سوق الحلال» الذي يرتاده تجار الأغنام والأبقار، وفيه مقبرتان (القديمة والشهداء) وبه أكبر منطقة صناعية في غزة، وبه معبر المنطار التجاري. ومن أهم معالم هذا الحي الكبير جامع «أحمد بن عثمان» أو ما يسميه أهل المدينة بـ«الجامع الكبير» محتلاً قلب الحي السكني والتجاري، وفي هذا الجامع قبر «يلخجا» (من مماليك السلطان) و«الظاهر برقوق».

وتضيف عليان: من آثار هذا الحي الجميلة «جامع المحكمة» الذي دمر في القصف الإسرائيلي عام 2014، وشهد هذا الحي اجتياحات متكررة، وتعرض لدمار كبير جداً.

حي التفاح

تقول عليان إنه أحد أحياء المدينة الواقعة إلى الشمال من تلة غـزة القديمة، وتبلغ مساحته 2843 دونماً، ويبلغ عدد سكانه الآن ما يقارب 41 نسمة، وسمي بحي التفاح لكثرة مزارع التفاح التي كانت تسحر أعين زائريها بزهرها الأبيض، وقد أطلق عليه قديماً «حكر التفاح»، وكان به خان يسمى «خان حكر التفاح».

ومن أهم معالمه الأثرية مسجد «الأيبكي»، وفيه قبر ينسب إلى الشيخ عبد الله الأيبكي (من مماليك عز الدين أيبك) وهو الأمير أيبك التركماني زوج «شجرة الدر».

ومن آثار الحي الإسلامية المهمة كذلك جامع «علي بن مروان»، الذي يعود بناؤه لعام 715 هجرية، حيث دفن به الشيخ علي كنواة لمقبرة الشيخ «علي بن مروان».

 

وكانت إلى الشمال من هذا الحي مقبرة لضحايا الحروب الصليبية، يتوسطها ضريح الشيخ «سعد الدين بشير»، الذي توفي سنة 649 هجري، وإلى الشرق من الحي لا تزال مقبرة «الدررية» أو مقبرة «التمرتاشي» (نسبة إلى الشيخ «محمد التمرتاشي الغزي)، والمتوفى سنة 1004 هجرية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات