الخطاط، كما المهندس، لا تخط يمناه بجماليات الخط، إلا إذا عرف أبعاد ومقاييس لوحته. هو أيضاً كما الفنان، يقدم لمسة نوعية بأحاسيس متفردة، مستوحاة من مصادر لا تنضب، تفتح له آفاق خياله إلى ما وراء السماء، كلُّ ما عليه إلا أن يستسلم لما يمليه عليه وحي الإلهام.

لوحاته صامتة، لكنّها تضجُ بالإبداع، وتسرد حكايات لا تنتهي؛ بدءاً بالفكرة، مروراً بالتنفيذ، وانتهاءً بقراءة الجماهير.

في معرض الخط العربي الذي نظمته "هيئة دبي للثقافة والفنون" في مايو الماضي، ثمة "الخطاطون الفنانون"؛ من مختلف الجنسيات حول العالم؛ عرب، أتراك، إيرانيين، أوروبيين، وغيرهم، أغلبهم يتكلم العربية الفصيحة بطلاقة، قدموا لوحة فنية متكاملة الأوصاف، عزفت على سيمفونية الأبجدية العربية.

أسرار الواو والنون

يقف أيدين غازي، خطاط من تركيا، أمام إحدى لوحاته المشاركة فيقول: لوحتي "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" كتبتها 7 مرات على هيئة دائرة، البطل فيها حرف الواو الذي تكرر هو أيضاً 7 مرات، وجعلت من حرف النون في كلمة العالمين مركزاً للدائرة، في إشارة إلى مركز الكون.

أما عن السر في اختيار الرقم 7 فيعود إلى أن للرقم رمزية كبيرة في الإسلام؛ فقد خلق الله 7 سماوات، و7 أرضين، وعدد أيام الأسبوع 7 وغيرها. فتصميم اللوحة ككل يعطي انطباعاً أن رسول الإسلام هو محور هذه الحياة، وهذا ما قصدته في لوحتي.

تجريد وتشكيل

يتحلق عدد من الزوار حول عمر الجمني، خطاط من تونس، ويشير إلى إحدى لوحاته المشاركة في المعرض، ويقول: "هذه اللوحة "نون والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون" التي أبدعتها، مستوحاة من الفن التجريدي، ويضيف: "أردت أن أخرج بالخط العربي إلى آفاق أكثر إبداعاً، حيث الفن التشكيلي المعاصر، فهذا الفن نعمة من الله، وتستطيع أن تراه في الطبيعة وفي أي مكان مفتوح تذهب إليه، فارتأيت أن أرى هذه الآية بهذا الجمال المعاصر، فقلت فلنبتعد نوعاً ما عن القوالب الصارمة التقليدية في كتابة الخط العربي، ثم ندخل هذه الحروف من الآية الكريمة إلى فضاء التجريد، وهذه أول مرة في تاريخ الخط العربي نرى فيها مزجاً بين النص القرآني والفن التجريدي المعاصر.

جماليات البردة

على مقربة من هذه اللوحة ثمة عمل طوله 5 أمتار، يتأملها الخطاط الإيراني، عميد رباني، ويقول: هذه قصيدة البردة، أحد أشهر القصائد في مدح النبي محمد، كتبها الإمام البوصيري، وقد أجمع الباحثون على أن هذه القصيدة من أفضل وأعجب قصائد المديح النبوي.

ويضيف رباني: "هذه القصيدة مكونة من مائة وخمسين بيتاً، ويبلغ طول اللوحة، التي عكفت عليها ما يقارب العام ونصف العام، 5 أمتار، وتقع في 10 صفحات.

أمن وأمان

يعشق بزار كريم، خطاط ألماني من أصل عراقي، منذ صغره الخط العربي، وقد تتلمذ على يد أساتذة من بغداد وإسطنبول، في كل لوحة من لوحاته معنى وحكاية، يختار إحداها ويقول: "كتبت هذه الآية "رب اجعل هذا البلد آمناً" في 30 يوماً، وهي على شكل قبة سماوية التي ترمز إلى القبلة التي يتجمع حولها المسلمون وجعلت كلمة "رب" أعلى القبة في إشارة إلى أن الله هو الحافظ والحامي؛ وهي دعوة سيدنا إبراهيم، التي نحتاج إليها دائماً في هذا الزمان الذي افتقد فيه الناس الأمن والأمان في كثير من البلدان.

يعيد كريم كتابة الآية الكريمة على ورقة بيضاء، فيما يشير إلى جهاز لاب توب لأحد الزوار، ويقول: "لا شك أن الآلات الحديثة اختصرت الكثير من الوقت، لكنها جسد بلا روح، تفتقد لحوار إبداعي بين الخطاط والمتلقي".