تُعنى القمة العالمية للحكومات في دبي بالأساس بتطوير أداء الحكومات والرقي به إلى ما يتناغم مع معطيات العصر ويلبي متطلباته، لذا كان من الطبيعي أن تضع حكومة الإمارات قضية الحوكمة نصب عينيها، خاصة وأن الدولة تحتفل هذا العام بمرور عقد كامل على عمر القمة التي انطلقت للمرة الأولى في عام 2013، فمنذ الاهتمام بـ«الإدارة الحكومية»، وهو الموضوع الأساسي لأولى دورات القمة، إلى «استشراف حكومات المستقبل»، وهو شعار الدورة الوشيكة في 2023، مرت الحوكمة بفترات متباينة خاضت خلالها تحديات متنوعة. وهنا نرصد كيف تصدى المشاركون في القمة لهذه التحديات بأفكارهم ومفاهيمهم التي طرحوها للنقاش في فعاليات خلال 10 سنوات كاملة.
تحول إيجابي
من الأهمية بمكان تعريف مصطلح الحوكمة، خاصة وأنه بات يتردد على ألسنة غالبية المشاركين في المؤتمرات والفعاليات العالمية. وفي هذا الصدد يمكن القول بأن الحوكمة هي: «مجموعة من القوانين والقواعد والإجراءات التي تهدف إلى تحقيق الجودة والتميز في الأداء من خلال اختيار الأساليب الصحيحة والفعّالة من أجل إدارة المنظمات وتحقيق أهدافها». وكانت الرسالة الأساسية التي تبنتها القمة العالمية للحكومات منذ بدايتها في 2013 وسعت بقوة وجدية إلى أدائها على أكمل وجه، هي كيفية إحداث التحول الإيجابي في آليات عمل الحكومات على مستوى العالم. وكان اختيار القمة لهذه الرسالة تحديداً كي تؤديها نابعاً من إيمانها الراسخ بحقيقة أن التحول بات ضرورياً لدعم الابتكار وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية وخلق آفاق وظيفية واقتصادية جديدة. وآمنت القمة أيضاً بأن هذا التحول لن يجري على النحو المطلوب إلا من خلال تحديث ومشاركة البيانات وتوحيد الجهود التعاونية لتحقيق أهداف موحدة، وهذا بدوره لن يتأتى إلا من خلال تبني مفهوم الحوكمة وتطبيق آلياته في كل الدوائر الحكومية. ونجحت القمة في الترويج لمفهوم الحوكمة، وبات صناع القرار حول العالم يترقبون سنوياً التوصيات والتقارير الصادرة عن القمة التي نجحت حكومة دبي في تحويلها إلى منصة دولية لتبادل المعرفة وترويج مفاهيم الشفافية على المستويين الإقليمي والدولي، وإطلاق مؤشرات تنموية عالمية تسهم في بناء شراكات مع أهم المنظمات الدولية.
حوار مفتوح
ومنذ انطلاق دورتها الأولى في 2013 تحت مسمى «القمة الحكومية» تركت القمة صدى وطنياً وإقليمياً مميزاً عبر حوار وطني مفتوح بين قيادة الصف الأول ومختلف قيادات العمل الحكومي، جرى خلاله التركيز على قطاعات حيوية في الإدارة الحكومية والابتكار وتعميم المعرفة في المنطقة العربية. وركزت القمة الثانية في 2014 على مستقبل الخدمات الحكومية وتحقيق السعادة للمتعاملين والاستفادة من التجارب المتميزة في القطاع الخاص، وشهدت افتتاح متحف الخدمات الحكومية المستقبلية، وهو عبارة عن معرض تفاعلي للتصاميم المستقبلية، يستكشف مستقبل خدمات السفر والرعاية الصحية والتعليم، ويحتضن أكثر من 80 مصمماً وتقنياً ومخططاً مستقبلياً عالمياً من قرابة 20 دولة، بهدف وضع تصور لكيفية تطوير هذه الخدمات في الأعوام المقبلة. وبمشاركة نحو 4000 مشارك من 93 دولة انتقلت القمة في 2015 من ريادة الخدمات الحكومية إلى استشراف المستقبل، لتصبح أكبر تجمع حكومي سنوي في العالم. وناقشت القمة مواضيع تشكيل الحكومات في المستقبل وتعزيز أداء تقديم الخدمات وأطر تعزيز التعاون والتنسيق بين الحكومات، والترويج لتبادل المعرفة والخبرات حول أفضل الممارسات العالمية المبتكرة في القطاع العام، كما شهدت إطلاق جائزتين عالميتين ومتحف للجيل القادم من حكومات المستقبل، ومنصة هي الأكبر من نوعها للابتكار في القطاع الحكومي.
تجمع عالمي
وشهدت القمة تحولاً مهماً في دورتها الرابعة في عام 2016، لتتحول من «القمة الحكومية» إلى «القمة العالمية للحكومات»، وترسخ مكانتها باعتبارها أكبر تجمع عالمي متخصص في استشراف حكومات المستقبل. وشكل التحول من قمة محلية إلى عالمية نقطة فارقة في مسيرة القمة ومستوى تأثيرها، بل وحتى طبيعة المواضيع والقضايا التي تطرحها. وشارك في تلك الدورة أكثر من 120 دولة و4500 مشارك، منهم 2000 شخصية حكومية رفيعة المستوى من خارج الدولة، إضافة إلى 4 منظمات عالمية، هي الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمنتدى الاقتصادي العالمي. وأطلقت القمة في دورتها الرابعة بعض المؤشرات التنموية العالمية تجسيداً لدورها في استشراف المستقبل بالتعاون مع مؤسسات علمية محايدة ومعتمدة عالمياً، حيث تحولت القمة في دورتها الرابعة إلى مركز بحثي معرفي حكومي يصدر الدراسات والأبحاث والتقارير على مدار العام. وتمثل التغيير في ملامح القمة بضيف الشرف السنوي الذي تستقبله القمة العالمية للحكومات لعرض تجربته الثرية بشكل أوسع، كما أطلقت القمة جائزة سنوية جديدة بعنوان «جائزة أفضل وزير على مستوى العالم» لتكريم أفضل وزير قام بقيادة مشروع حكومي نوعي جديد وناجح، واستثنت من المشاركة وزراء الإمارات، حفاظاً على حيادية الجائزة.
وتتوالى نقاط الانطلاق مع توالي دورات القمة، وكانت نقطة الانطلاق الجديدة للقمة في دورتها الخامسة عام 2017 متمثلة في الحوار الذي أجراه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حول استئناف الحضارة في هذه الدورة. لقد أظهر هذا الحوار مدى حيوية الدور الذي باتت تضطلع به القمة على صعيد نشر مفهوم الحوكمة. وكشف الحوار أيضاً حجم تأثير القمة في ما يتعلق بالقراءة الواقعية للواقع، وحجم التحديات التي تعترض مسيرة الدول العربية في النهوض بحضارتها وتنميتها، وأبرز الفرص التي تمكنها من ذلك.
نقلة مهمة
وتُعد دورة 2018 من القمة بمثابة نقلة مهمة في مسيرة القمة على طريق ترسيخ مفهوم الحوكمة والترويج له، ففي هذه الدورة أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، عن عناصر رئيسية ضمن استراتيجية الإمارات، التي تهدف لأن تصبح الدولة وجهة لتطوير منتجات الذكاء الاصطناعي وبرامج تعليمية جديدة، وتحقيق الريادة في الحوكمة الرشيدة.
علاوة على ذلك، شهدت دورة 2018 إطلاق «المنتدى العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي» ضمن ستة منتديات في سابقة هي الأولى التي تشهد فيها القمة إطلاق هذا العدد من المنتديات في دورة واحدة. وبجانب «المنتدى العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي»، كانت المنتديات الخمسة الأخرى هي: «الحوار العالمي للسعادة»، و«منتدى التغير المناخي»، و«منتدى رواد الشباب العربي»، و«ملتقى أهداف التنمية المستدامة»، و«منتدى استيطان الفضاء».
وأكدت الدورة السابعة للقمة، التي أقيمت في 2019، على الدور المحوري للتكنولوجيا والتطبيق العملي لها في الحياة اليومية للإنسان في مجال المياه واستخداماتها وفي الاقتصاد، وتنافس الاختراعات، وفي حركة المجتمع أفراداً وجماعة، لتصبح مجلبة للسعادة والرفاه والتقدم. وقدمت حكومة الإمارات في هذه الدورة تطبيقاً عملياً لكيفية استخدام التكنولوجيا، ليس في تحلية المياه وإعادة تدويرها فحسب، بل وفي الحد من هدر المياه وإجراء خفض هائل في نسبته مما يتجاوز 40 % إلى ما دون 7 %.
وكان تعزيز المرونة الحكومية أحد أهم الأهداف التي سعت القمة إلى تحقيقها، باعتبار هذه المرونة أحد أركان الحوكمة. وظهرت أهمية المرونة الحكومية على أوضح ما يكون بعد تفشي جائحة «كوفيد 19»، وما كشفت النقاب عنه من احتياج الحكومات حول العالم إلى تبني آليات ونماذج عمل أشد مرونة، كي تستطيع العودة بسرعة إلى أحوالها التقليدية المعتادة عندما يعترض مسيرتها أي عارض أو ظروف طارئة. وإدراكاً من جانبها لأهمية قضية المرونة الحكومية، خصصت دورة 2022 من القمة منتدى خاصاً ضمن منتدياتها للحكومات المرنة. واهتم المنتدى، الذي أطلقت عليه القمة اسم «منتدى الحكومات المرنة»، بتسليط الضوء على طبيعة التحولات الجذرية في الحوكمة، وقدرة الحكومات المرنة على تحقيق التوازن بين الاستقرار والتحول، وذلك بحضور كوكبة من الشخصيات الدولية.
استشراف المستقبل
من المنتظر أن تستكمل القمة في دورتها هذا العام مسيرتها في تعزيز مفهوم الحكومة، وسيكون التركيز هذا العام على «استشراف حكومات المستقبل»، وهو شعار القمة لهذه الدورة. وتتضمن أجندة القمة لهذا العام عدة جلسات رئيسية في سياق استشراف حكومات المستقبل، منها «إعادة تصميم السياسات للعصر الرقمي»، «كيف تستطيع الحكومات التخطيط لمدن المستقبل»، «كيف نصمم المدن الذكية»، و«كيف سيتغير النظام العالمي في العقد القادم».
طريق المرونة
أكدت الدورات السابقة للقمة العالمية للحكومات أن الطريق لا يزال طويلاً لتحقيق المرونة اللازمة لمواجهة الأزمات غير المسبوقة، إلا أنه يتعين عليها بدء السير فيه بأسرع وقت ممكن. كما أكدت أهمية التعاون، كونه شرطاً أساسياً لتحقيق التحول الإيجابي للعمل الحكومي، الذي يعتمد بالدرجة الأولى على البيانات التي تسهم في تحسين الحوكمة ودعم عملية صنع القرار. كما أشارت الجلسات إلى ضرورة الاهتمام بريادة الأعمال والابتكار والتكنولوجيا الجديدة وتوظيفها في تصميم استراتيجيات مناسبة. وأجمعت القمم على أن التحول لا يقتصر على الرقمنة فحسب، بل يشمل أيضاً المجالات الاقتصادية والاجتماعية، ما يتطلب تغيير المنظور السائد وطرق التفكير النمطية.
احتياجات وآمال
أجمعت القمم السابقة على أن التحول في آليات عمل الحكومات لا يكون مجدياً ما لم يخلق تأثيراً إيجابياً ملموساً، ذلك أنه يتعين على كل حكومة أن تضع نصب عينيها هدفاً رئيسياً يتمثل في تلبية احتياجات الشعوب وتحقيق آمالهم وطموحاتهم، وعليه تبرز الثقة بالحكومات بوصفها قاعدة أساسية لتحقيق التحول المطلوب، وذلك من خلال دورها في توفير الموارد الملائمة وتصميم السياسات العامة الداعمة، والاستثمار في بناء المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي، الذي يفتح آفاقاً جديدة لتعزيز المرونة الحكومية.
تحديث وتمكين
أبرزت القمم السابقة أهمية تعزيز المرونة في الاستجابة لمتغيرات العصر، وسلطت الضوء على الأهمية المتنامية للتعلم الجماعي من تجارب القطاعين الحكومي والخاص، وضرورة عمل الحكومات على تحديث السياسات لتسهيل ممارسة الأعمال بعيداً عن الروتين والبيروقراطية، مع تمكين الشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال من المساهمة في دعم الاقتصاد الوطني، وأن مسؤولية تعزيز المرونة في الاستجابة للتحديات الناشئة تقع على عاتق الحكومات.


