تتطرق القمة العالمية للحكومات، في جلساتها وفعالياتها وتقاريرها، إلى العديد من المواضيع التي تشغل العالم، وتعمل من خلال كوكبة الخبراء والدراسات التي تقدمها إلى إيجاد حلول للتحديات، وحشد الجهود لمعالجة التداعيات المستقبلية، واستحوذت قضايا التغير المناخي واستدامة المدن، على جزء كبير من فعاليات الدورات السابقة للقمة العالمية للحكومات، باعتبارها من أبرز التحديات التي يشهدها العالم، وتتطلب تضافر الجهود، وتسريعها للمحافظة على كوكب الأرض من مهددات محتملة، قد تنتج عن ارتفاع درجات الحرارة، بسبب الانبعاثات الضارة والغازات الدفيئة.
تناقش القمة العالمية للحكومات، في دورتها الحالية، أهمية تسريع عملية الاستدامة، وتوفير الموارد لعالمنا، والتوسع الحضري السريع، وكيف يمكن للحكومات أن تنشئ مدناً مستدامة، من خلال علم النفس الحضري، والبنية التحتية الذكية، وأنظمة النقل المستدامة، وإنتاج واستهلاك الطاقة المستدامة، وكيف ستكون طريقة تصميم وتشغيل المدن بحلول عام 2050.
وكانت القمة العالمية للحكومات، تطرقت في دوراتها السابقة، إلى العديد من المواضيع التي تتعلق بالتغير المناخي واستدامة المدن، وأطلقت المبادرات والشراكات التي تسهم في حشد الجهود العالمية، كما قدمت الدراسات، واستعرضت التجارب الناجحة لبعض المدن العالمية، التي قطعت شوطاً كبيراً في هذا المجال، منها تجربة دبي وأبوظبي في بناء المدن المستدامة والتنقل الذكي.
أفضل الحلول
وأطلقت القمة العالمية للحكومات في عام 2016، منصة لتفعيل أهداف التنمية المستدامة، للتركيز على تنفيذ أهداف التنمية المستدامة الـ 17 المعتمدة حول العالم، وقد تم إطلاق هذه المبادرة بالشراكة مع الأمم المتحدة، والبنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والعديد من الشركاء المحليين والدوليين، بهدف التغلب على العقبات المختلفة التي تعرقل عمل الدول الساعية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، والتوصل إلى أفضل الحلول للمجالس العالمية لأهداف التنمية المستدامة، وفي عام 2018، انطلقت المجالس العالمية لأهداف التنمية المستدامة في القمة العالمية للحكومات، وتمثل المجالس شبكة فريدة تجمع صناع القرار من مختلف القطاعات الحكومية، والمنظمات الدولية، والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص، تجتمع هذه الأطراف لتبادل الممارسات المبتكرة، ومناقشة التطبيقات الإبداعية المحتملة لأهداف التنمية المستدامة، على المستويين الوطني والعالمي، ويرأس كل مجلس ممثل رفيع المستوى، من إحدى الحكومات أو المنظمات الدولية.
وتلتزم المجالس بعقد شراكات جديدة بين الدول والمنظمات، بغية تنفيذ حلولها المبتكرة، ودمج نتائج أعمالها في الأمم المتحدة، وغيرها من المحافل الدولية المعنية بأهداف التنمية المستدامة، وتمتد فترة رئاسة المجالس لمدة عامين، ويركز العام الأول على تطوير المفاهيم ووضع الخطط، بينما يركز العام الثاني على تنفيذ الأفكار، ويعمل كل رئيس ممثلاً للمجلس، فيطرح مناقشاته ونتائجه، عبر مجموعة من المنتديات الدولية، خاصة القمة العالمية للحكومات.
تعزيز التسارع
كما عقدت مؤسسة القمة العالمية للحكومات، بالشراكة مع البعثة الدائمة للإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، والمركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء، اجتماعاً افتراضياً «عن بعد»، بعنوان «تعزيز التسارع العالمي لأهداف التنمية المستدامة»، بالتزامن مع افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعمال دورتها العادية الـ 76.
وشهد الاجتماع إطلاق الدورة الثانية للمجالس العالمية لأهداف التنمية المستدامة 2021 - 2023، التي ترأس عدداً منها وزراء ومسؤولون في الدولة، وتكونت من 18 مجلساً، تعمل على متابعة ودعم تنفيذ خطة التنمية المستدامة 2030، ودعم الجهود الدولية لإعادة بناء عالم ما بعد جائحة «كورونا»، وناقش المجتمعون سبل تعزيز الجهود الدولية، وابتكار الحلول والآليات الكفيلة بتعزيز التسارع العالمي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وبحثوا فرص التعاون، وترسيخ الشراكة البناءة، وإطلاق شراكات جديدة، تجمع مختلف المعنيين بأهداف التنمية المستدامة من الدول والمنظمات والأفراد.
عنصر فاعل
ويأتي تركيز القمة العالمية للحكومات على قضايا استدامة المدن وتحديات المناخ، في إطار توجهات الإمارات والجهود التي تبذلها على الصعيد المحلي والعالمي في خدمة هذا الملف، الذي أصبح الاهتمام به يتنامى عاماً بعد آخر، والتي أهلتها لاستضافة مؤتمر الإطراف «كوب 28»، حيث كانت سباقة في تبنى استراتيجيات ومشاريع متنوعة على المستوى الوطني والإقليمي والدولي، لمواجهة تحديات التغيرات المناخية التي تواجه العالم، بعد إدراكها مبكراً مدى خطورة العواقب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المترتبة على هذه التغيرات، لذا، بادرت بسن التشريعات، وأطلقت المبادرات في مختلف المجالات، وسارعت في الانضمام للاتفاقيات التي تعني بالمناخ والاستدامة والمحافظة على البيئة، وقادت العديد من الجهود على المستوى الدولي، وأصبحت عنصراً فاعلاً ومسهماً رئيساً في الاتفاقيات الدولية.
وفي هذا الشأن، قادت دولة الإمارات في مؤتمر «كوب26» مبادرة «الابتكار الزراعي للمناخ»، إلى جانب الولايات المتحدة، بمشاركة 30 دولة أخرى، وتهدف المبادرة، التي تصل قيمة التزاماتها الأولية إلى 4 مليارات دولار، إلى تسريع العمل على تطوير أنظمة غذائية وزراعية ذكية مناخياً، على مدى الأعوام الخمسة المقبلة، وتعهدت الدولة باستثمار إضافي قيمته مليار دولار، كجزء من هذه المبادرة، التي تركز على تسريع ابتكار أنظمة زراعية وغذائية، تدعم العمل المناخي، وتسعى المبادرة إلى تعزيز المساهمة الاقتصادية للقطاع الزراعي، وتوفير فرص عمل أكبر في هذا القطاع الحيوي، الذي يوفر اليوم أكثر من ملياري فرصة عمل، ويوفر الغذاء لكافة سكان الكوكب.
كما انضمت الإمارات، إلى التعهد العالمي للميثان، بناءً على مكانتها كواحدة من أقل الدول إطلاقاً لانبعاثات غاز الميثان في العالم، وستشارك الدولة أفضل ممارساتها في إدارة انبعاثات الميثان، مع أعضاء المبادرة، التي يقودها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، والتي تهدف إلى خفض انبعاثات الميثان العالمية بـ 30 %، بحلول نهاية العقد الحالي، خصوصاً أنها نجحت خلال العقود الخمسة الماضية في خفض مستويات حرق الغاز الطبيعي في قطاع الطاقة المحلي، بنسبة تتجاوز 90 %.
بدوره، يمتلك قطاع النفط والغاز في دولة الإمارات اليوم، واحداً من أدنى مستويات كثافة انبعاثات الميثان في العالم، بنسبة لا تتجاوز 0,01 %.
وخلال مؤتمر «كوب26» ذاته، أعلنت دولة الإمارات، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا»، عن إطلاق منصة لتسريع نشر حلول ومشاريع الطاقة المتجددة، والتي تهدف إلى توفير تمويل عالمي جديد، لتسريع التحول إلى حلول الطاقة المتجددة في البلدان النامية، وتعهدت الإمارات بتقديم 400 مليون دولار، من خلال «صندوق أبوظبي للتنمية»، لدعم هذه المنصة في جمع تمويل لا يقل عن مليار دولار، كما أعلنت الإمارات، ممثلةً في وزارة الطاقة والبنية التحتية، عن خريطة طريق لتحقيق الريادة في مجال الهيدروجين، وهي خطة وطنية شاملة، تهدف إلى دعم الصناعات المحلية منخفضة الكربون، والمساهمة في تحقيق الحياد المناخي، وتعزيز مكانة الدولة كمصدّر للهيدروجين.
3 أهداف
وتتضمن خريطة الطريق، ثلاثة أهداف أساسية، تتمثل في إتاحة مصادر جديدة لتوفير القيمة، من خلال تصدير الهيدروجين منخفض الكربون ومشتقاته ومنتجاته، إلى مناطق الاستيراد الرئيسة، وتعزيز فرص مشتقات الهيدروجين الجديدة بوساطة الفولاذ منخفض الكربون والكيروسين المستدام، بالإضافة إلى الصناعات الأخرى ذات الأولوية، والتي تسهم في تحقيق الحياد المناخي بحلول 2050.
كما رفعت الدولة هدف زراعة أشجار القرم، وفق التقرير الثاني من مساهماتها المحددة وطنياً - من 30 مليوناً إلى 100 مليون شجرة بحلول 2030، كخطوة داعمة لمكانة الإمارات الرائدة في الاعتماد على الحلول المستندة إلى الطبيعة، في مواجهة تحدي التغير المناخي، وعبر هذا الهدف، ستصل مساحات غابات القرم في الدولة إلى 483 كيلومتراً مربعاً، وستعمل على التقاط 115000 طن من ثاني أكسيد الكربون.
ويأتي فوز استضافة الإمارات بمؤتمر الأطراف «كوب 28»، بمثابة شهادة على جهود الإمارات في العمل المناخي، منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، حيث كانت الدولة من أوائل الدول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تصادق على اتفاق باريس.
الطاقة النووية
وإلى جانب ذلك، ستسهم محطة براكة للطاقة النووية، التي بدأت عملياتها التجارية في شهر أبريل 2021، في إزالة حوالي ربع غازات الاحتباس الحراري التي يسببها قطاع الطاقة في دولة الإمارات، عند دخولها للخدمة بالكامل، ومع إطلاق المبادرة الاستراتيجية، سعياً لتحقيق الحياد المناخي 2050، أصبحت الإمارات أول دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعلن عن السعي لتحقيق الحياد المناخي، من خلال برنامج اقتصادي شامل، يهدف إلى تحقيق التقدم والنمو المستدام.
مبادرات وطنية
أطلقت دولة الإمارات في عام 2017، خطة وطنية للتغير المناخي 2050، تركز على دعم النشاطات والمبادرات الوطنية التي تهدف إلى مواجهة تحديات المناخ، من خلال تحقيق ثلاثة أهداف، تكمن في إدارة انبعاثات الغازات الدفيئة، مع الحفاظ على النمو الاقتصادي المستدام في الدولة، وتقليل المخاطر، وتعزيز التنوع الاقتصادي من خلال تطبيق حلول مبتكرة، بالتعاون مع القطاع الخاص، وتمثل المبادرة الاستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي بحلول 2050، محركاً وطنياً، يهدف إلى خفض الانبعاثات والحياد المناخي بحلول 2050، ما يجعل الإمارات أول دولة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعلن عن هدفها لتحقيق الحياد المناخي.
وتتماشى مبادرة الإمارات للحياد المناخي 2050، مع المبادئ العشرة للخمسين الجديدة، حيث ستوفر المبادرة فرصاً جديدة للتنمية المستدامة والتقدم الاقتصادي، كما تسهم في ترسيخ مكانة الدولة وجهةً مثالية للعيش والعمل، وإنشاء المجتمعات المزدهرة، وتتواءم المبادرة مع أهداف «اتفاق باريس للمناخ»، لتحفيز الدول على إعداد واعتماد استراتيجيات طويلة المدى لخفض انبعاث غازات الدفيئة، والحد من ارتفاع درجات حرارة الأرض دون الدرجة والنصف مئوية، إلى درجتين، مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
مبادرات ومشاريع وتتولى وزارة التغير المناخي والبيئة، قيادة وتنسيق جهود تحقيق الحيادية المناخية، وضمان التكامل على المستوى الوطني لتنفيذ هذا القرار، وتقوم كافة الجهات المعنية في القطاعات الرئيسة، مثل الطاقة والاقتصاد والصناعة والبنية التحتية والنقل والنفايات والزراعة والبيئة، بتحديث الخطط والاستراتيجيات والسياسات ذات العلاقة، وتنفيذ المبادرات والمشاريع التي من شأنها تحقيق الحيادية المناخية مع حلول 2050، بما يتماشى مع احتياجات ومتطلبات النمو في مختلف القطاعات، كما تقوم الجهات والهيئات المختصة في الدولة على المستويين الاتحادي والمحلي، بإعداد دراسات شاملة ومفصلة، بهدف تطوير الخطط، واتخاذ الإجراءات اللازمة للوصول للحياد المناخي بحلول عام 2050، مع ضمان النمو الاقتصادي المستدام.
90 %
خفضاً حققته الدولة بمستويات حرق الغاز خلال العقود الـ 5 الماضية
400
مليون دولار تعهدت بها الإمارات للتحول إلى الطاقة المتجددة في الدول النامية
100
مليون شجرة قرم تهدف الدولة لزراعتها بحلول 2030 لمواجهة تغير المناخ
25 %
من غازات الاحتباس الحراري ستسهم محطة براكة للطاقة النووية في إزالتها
