فقدان البصر قد يكون نهاية الطريق لدى البعض ممن يرفعون مبكراً الراية البيضاء للإعاقة، في مقابل أن يكون شعلة متقدة في درب المتسلحين بالصبر والعزم والإصرار على التغلب على عتمة العين بالانشغال بالعلم والعمل الجاد، كما هو حال الدكتورة مريم يعقوب إبراهيم العلي، التي فقدت بصرها في سن الـ 15 نتيجة التهاب أصاب شبكية العين، لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها، تكللت بتأقلمها مع عدم قدرتها على الإبصار.

طموح وشغف الدكتورة مريم خلقا نوراً أضاء طريقها للنجاح، مروضاً لحظات الضعف فيها، لتحولها إلى نجاحات مبهرة وإنجازات متتالية، سطرتها بأحرف من نور في سجلات العزيمة والإصرار.

لم تتراجع الدكتور مريم أمام قساوة عتمة عينيها، ولم تستسلم للنهايات، فهي تعلم أن الله يعطي الإنسان ما يسعى إليه بجهده وبإيمانه بالقدرات التي وهبها له، لايعيقها شيء في طريق تحقيق أهدافها، هي «كفيفة» بالوصف، لكنها ليست كذلك في الواقع، فقد نالت 4 شهادات علمية أكاديمية آخرها شهادة الدكتوراه.

مسيرة

تخرجت مريم في جامعة الإمارات عام 2007 وهي تحمل شهادة البكالوريوس في الشريعة والقانون، حيث كانت تتابع دراستها عن طريق الكتب المسموعة والقراءة بطريقة «برايل» المخصصة لأصحاب الإعاقة البصرية، حيث نجحت بإصرارها وعزيمتها في أن تخلق لنفسها عالماً جديداً من الثقافة والتطور، يسوده الطموح وعدم اليأس وتحدي الإعاقة وعدم السماح لها بأن تقهقرها للوراء.

حول بداية مسيرتها في وزارة العدل تقول: «باشرت مهامي الوظيفية كـ«متدرب قضائي» وأكملت مسيرة حافلة من الإنجازات، تكللت اليوم بتولي منصب مستشارة في إدارة التشريعات في وزارة العدل».

إنجازات

طموحات مريم العلمية وشغفها بتطوير قدراتها الأكاديمية كان السبب الرئيسي وراء عودتها مرة آخرى إلى مقاعد الدراسة، لتنال في عام 2013 شهادة الماجستير في الاقتصاد الإسلامي وإدارة الثروات من جامعة زايد، ولتحصل بعد 3 سنوات وتحديداً في عام 2016 على شهادة ماجستير أخرى في القانون العام «الدستوري»، بتقدير امتياز من أكاديمية شرطة دبي، ثم شهادة الدكتوراه هذا العام من أكاديمية شرطة دبي.

مهام مريم الوظيفية عديدة ومتنوعة، حيث تشمل كتابة العقود ومذكرات التفاهم، وإبداء الرأي في القوانين والتشريعات، والرد على كافة الاستفسارات القانونية المقدمة من قبل الجهات الحكومية، فضلاً عن مشاركتها في صياغة القوانين والتشريعات، والتأكد من توافقها مع الاستراتيجيات التي أقرتها دولة الإمارات، كان من أهمها مشروع قانون اتحادي في شأن الرقابة على الإتجار بالأحجار الكريمة ذات القيمة، ومشروع قانون اتحادي بشأن مكافحة التسول، ومشروع قانون اتحادي بشأن الجمعيات التعاونية، ومشروع قانون اتحادي بشأن المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ومشروع قانون اتحادي بشأن مزاولة الطب البيطري.

أبحاث ودراسات

أثرت مريم العلي العمل البحثي بالعديد من الأبحاث والدراسات المتخصصة، كان من بينها بحث في «وقف تنفيذ القرار الإداري»، وفي «حرية الاعتقاد في دستور دولة الإمارات»، وفي «الرقابة على التشريعات في دستور دولة الإمارات العربية المتحدة»، بالإضافة إلى بحث عن «البنك الدولي»، بعدها واصلت الدراسة، ونالت درجة الدكتوراه من أكاديمية شرطة دبي بتقدير امتياز، مقدمة بذلك صورة ونموذجاً مشرفاً وملهماً في الإصرار والعطاء.

عرفان

وحول دور الأسرة في دعمها لمواصلة حياتها العلمية والمهنية تقول: «لله الحمد أسرتي، والدي ووالدتي وأخوتي وجميع من حولي سواء زملائي وزميلاتي وبيئة العمل كانوا جميعهم يشجعونني ويقولون لي استمري، نحن فخورون بك».

قيادة راعية

وأكدت مريم العلي أن القيادة الرشيدة لدولة الإمارات تولي أصحاب الهمم كل العناية والرعاية والاهتمام، وهو ما يتضح من خلال خطط واستراتيجيات، تمكنهم من ترسيخ وتعزيز دورهم في التنمية وتحقيق الإنجازات في جميع المجالات، متوجهة بالشكر والتقدير إلى وزارة العدل على دعمها وتمكينها وتوفير البيئة المحفزة على الإبداع والتطور.

نصيحة

وفي ختام حديثها وجهت العلي نصيحة تقول فيها «على الإنسان أن يرضى بما كتبه الله له، فالإعاقة لا تعني نهاية الحياة، وإنما هي تحدٍ يتطلب منها التغلب عليه، بالتحلي بالثقة والمثابرة من أجل تحقيق الأهداف والإنجازات، جميعنا يعلم بأن الإعاقة تجعل من الأمور الطبيعية أكثر صعوبة، إلا أنه بإمكان الإنسان تجاوزها، كونها تحتاج إلى صبر وقوة عزيمة وإرادة، وهنا تكمن قيمة الشيء وعظمته».