نظمت حكومة دولة الإمارات بالتعاون مع المنظمة العربية للتنمية الإدارية في جامعة الدول العربية، فعاليات منتدى الاستدامة والعمل الحكومي، لبحث سبل تعزيز مستقبل العمل الحكومي وآفاق التعاون بين الحكومات العربية في مجالات التنمية المستدامة.
وشهدت فعاليات المنتدى إطلاق تقرير حالة الحكومات العربية في نسخته الثانية تحت عنوان «حالة الحكومات العربية - الاستدامة والتحول الرقمي»، حيث رصد التقرير انعكاسات تغيرات المناخ على الاستدامة والتنمية في المنطقة العربية، وركز على مأسسة الاستدامة وممكنات التحول الحكومي الأخضر في سياسات الحكومات العربية.
وأكد التقرير أهمية الجهود الجماعية لمواجهة التحديات المناخية وانعكاساتها على المنطقة العربية، واستعرض فرص دفع مسيرة التحول الحكومي الأخضر، وأوصى الحكومات بتعزيز التعاون مع القطاع الخاص والمجتمع ومشاركته في تعزيز مسيرة الاستدامة، إضافة إلى إرساء معايير خضراء في العمليات الحكومية، وتفعيل أطر وطنية لتقييم التقدم في مجالات الاستدامة، مشيراً إلى ضرورة تمكين الكوادر الحكومية بمهارات الاستدامة للمساهمة في إنجاح التحول الحكومي الأخضر.
جاء إطلاق التقرير، بالتعاون بين المنظمة العربية للتنمية الإدارية في جامعة الدول العربية وحكومة دولة الإمارات، بناء على نتائج دراسة استقصائية شملت 1700 مسؤول حكومي في الدول العربية. وأسهم في إعداده نخبة من الباحثين والخبراء.
الرؤية والابتكار
وأكدت معالي عهود بنت خلفان الرومي، وزيرة دولة للتطوير الحكومي والمستقبل، أن التحول الرقمي الأخضر هو أداة استراتيجية فعالة لتحقيق الجاهزية الحكومية لمستقبل مستدام يضمن التوازن بين الأهداف التنموية قصيرة المدى وجهود الاستدامة بعيدة المدى.
وقالت معالي عهود الرومي: «الرحلة نحو التحول الرقمي الأخضر تحتاج إلى الرؤية والابتكار والتعاون، وتستدعي تسخير الطاقات والموارد لخلق مستقبل مستدام لمنطقتنا»، مضيفة «تقرير «حالة الحكومات العربية: الاستدامة والتحول الرقمي» في نسخته الثانية يعبر عن التزام دولة الإمارات المستمر بتعزيز جهود العمل المشترك ودعمها الراسخ لتطوير حلول مستدامة للتحديات المناخية في المنطقة العربية، تجسيداً لرؤية القيادة الرشيدة وحرصها على ترسيخ التعاون والمشاركة بالتجارب والخبرات في مجالات التنمية المستدامة المتمحورة حول الإنسان».
دور محوري
من جانبه، قال الدكتور ناصر الهتلان القحطاني، المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية: «إن التقرير يؤكد دور الحكومات العربية المحوري والقيادي في ترسيخ أسس وممارسات الاستدامة في جميع القطاعات من خلال الممارسات والأطر التنظيمية والسياسات، ويبرز ضرورة دمج ممارسات الاستدامة في منظومة العمل الحكومي والاستثمار في التكنولوجيا والابتكار بالتعاون مع القطاع الخاص بما يعزز الاقتصاد الأخضر وخلق الفرص المستدامة التي تسهم في تحقيق مستهدفات التنمية الوطنية».
وتوجه المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الإدارية بالشكر إلى دولة الإمارات العربية المتحدة على جهودها لتعزيز التعاون العربي المشترك بما يخدم تطلعات المجتمعات العربية، مشيراً إلى أن دولة الإمارات تواصل مشاركة خبراتها وتجاربها في ضوء سجلها الحافل بالإنجازات في مجال الاستدامة والتصدي لتغير المناخ والتحول الرقمي الحكومي الأخضر.
بدوره، قال الدكتور يسار جرار، عضو مجلس أمناء كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، المدير التنفيذي لمعهد بوستريتي: «يسلط التقرير الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه الحكومات العربية في قيادة دولها نحو تحقيق أهداف الاستدامة، كما يركز على أهمية دمج التحول الرقمي والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة كالذكاء الاصطناعي لجعل العمليات الحكومية جميعها أكثر استدامة». وأضاف: «إن البيانات التي تم جمعها في هذه الدراسة مهمة لرسم خريطة طريق واضحة للحكومات العربية تضمن بناء قدرات الموظفين الحكوميين المتعلقة بالاستدامة، تعزز من الاستثمار في التحول الرقمي المستدام، وتشجع التعاون ما بين الحكومات على المستوى الإقليمي».
عمل جماعي
كما شهدت فعاليات المنتدى إطلاق زمالة القيادة المناخية والاستدامة كدعوة للعمل الجماعي في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعتبر من أكثر المناطق المعرضة لتغير المناخ، وبالشراكة مع معهد الاستدامة في الشرق الأوسط وأفريقيا وبدعم من شركة بيبسيكو، تهدف الدفعة الأولى من هذه الزمالة إلى رفع كفاءات القيادات الحكومية الشابة وتزويدهم بالمهارات والمعرفة اللازمة لمواجهة التحديات القادمة لتغير المناخ وبناء منصات للتعاون بين البلدان العربية، وستتاح للمشاركين الفرصة للتفاعل والتعلم من خبراء ومسؤولين حكوميين ومديرين تنفيذيين من عدة قطاعات اقتصادية حيوية.
فرص الاستدامة
كشف تقرير حالة الحكومات العربية عن فرص كبيرة أمام الحكومات العربية في ريادة الحلول المستدامة من خلال تطوير أطر الحوكمة والسياسات المبتكرة، مؤكداً أن دمج استراتيجيات الحوكمة الخضراء ضمن العمليات الحكومية ومواءمتها مع التحول الرقمي يمكن أن يدفع المنطقة إلى المراتب الأولى عالمياً في توسيع نطاق مسارات الطاقة الجديدة من خلال إدارة العمليات الحكومية بأقل تأثير بيئي.
وأشار إلى فرص دمج الحكومات العربية لسياسات الاستدامة بفعالية في عملية التحول الرقمي بما يعزز تلاحم المجتمع ومختلف القطاعات حول الممارسات المستدامة، كما استعرض التقرير التحديات التي تواجه الحكومات العربية والعوائق أمام تحقيق مستهدفات الاستدامة والتي تشمل بشكل عام تباطؤ حركة التغييرات الهيكلية والتشريعية الملموسة واستراتيجيات الحوكمة، مشيراً إلى حاجة المنطقة للتركيز على التنفيذ الناجح لإصلاح السياسات والمبادرات الحكومية الخضراء والعمل على تعزيز الحلول المستدامة من خلال أطر الحوكمة والسياسات المبتكرة.
وكشف التقرير في حيثياته أن 58% من الموظفين الحكوميين العرب يرون أن حكوماتهم تعتمد خطة واضحة للحد من الانبعاثات الكربونية، و25% فقط يوافقون بشدة على أن حكوماتهم تفرض جمع بيانات التغير المناخي والبيئة، وأكد 51% منهم بوجود خطوات عملية للتحول نحو الممارسات الصديقة للبيئة، بينما أشار 67% إلى أن حكوماتهم تطبق سياسات خضراء تراعي العوامل البيئية في عمليات الشراء، و74% يرون أن العمل المناخي والتغير المناخي أولوية في حكوماتهم.
توصيات ومقترحات
واستهل التقرير توصياته بأهمية اعتماد سياسات تشجع الإدارات الحكومية على ممارسة المسؤولية البيئية في عملياتها. وركزت مقترحاته على أهمية تعاون الحكومات العربية مع القطاع الخاص وتمكين المشاركة المجتمعية، وتطبيق الأطر الوطنية لضمان تنفيذ سياسات الاستدامة بطرق قابلة للقياس، وترسيخ الحوكمة الشفافة، وتسخير التقنيات الناشئة والحديثة لتعزيز استدامة العمليات الحكومية.
ونظراً لأهمية تطبيق المعايير الخضراء لدمج الاستدامة في نظم العمل الحكومية، أكد التقرير ضرورة تطبيق الحكومات مبادئ ومعايير مستدامة لشراء المنتجات والخدمات المسؤولة بيئياً، ومنح الأولوية للموردين الذين يستوفون المعايير الخضراء في منتجاتهم وسلاسل توريدها، بما يحفز الطلب في السوق على المنتجات والخدمات المستدامة ويشجع على الابتكار والاستثمار في التقنيات الخضراء.
دور حيوي
وأشار التقرير إلى الدور الحيوي الذي يمارسه التعاون مع القطاع الخاص وقطاعات المجتمع من أجل تطوير الحلول الابتكارية والتكنولوجية التي ترسخ الاستدامة في الخدمات والعمليات الحكومية، وتحفيز قطاعات اقتصاد الاستدامة واستحداث فرص عمل جديدة تتمحور حول الاقتصاد الأخضر.
وأوصى التقرير بإشراك المجتمع في عمليات صنع القرار وتحديد أولويات التطوير والسياسات والمبادرات بما يلبي احتياجات وتطلعات الإنسان، ويسهم في تعزيز الثقة في الإجراءات والخدمات الحكومية وجعل مسؤولية الاستدامة ممارسة وطنية على أوسع نطاق. ونظراً للأهمية البالغة للرصد والتقييم المنتظم والمدعوم بجمع البيانات في حينها، دعا التقرير إلى تطبيق أطر وطنية شاملة لتتبع الأداء وتحديد مجالات التطوير وضمان المساءلة في السعي لتحقيق التنمية المستدامة، بما يشمل مجموعة من مؤشرات الأداء الرئيسية المنسجمة مع أهداف الاستدامة بجانب آليات عملية لجمع البيانات وتحليلها وإعداد تقارير الأداء. ونصح التقرير باعتماد ممارسات لتعزيز الشفافية والمساءلة والثقة من خلال مشاركة المعلومات حول أداء الاستدامة، وإشراك المجتمع في عملية الرصد والتقييم، وإجراء مراجعات دورية.
وأكد التقرير أن تمكين الموظفين الحكوميين بالمعرفة والمهارات اللازمة لدمج الاستدامة في عملهم يعتبر من العوامل الأساسية لنجاح التحول الحكومي الأخضر.
وحث التقرير الحكومات العربية على الاستثمار في «الابتكار الأخضر» من خلال دعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الخضراء والتعاون البحثي مع الجامعات لتطوير الحلول المستدامة.

