تحت رعاية سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي، رئيس مجلس دبي للإعلام، انطلقت أمس، الدورة التاسعة لمنتدى الإعلام الإماراتي، والذي ناقش جملة من الموضوعات المهمة التي انصبت على تحليل متطلبات تطوير منظومة العمل الإعلامي الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، بما يواكب سرعة المتغيرات المحيطة سواء على مستوى المنطقة أو العالم.
وخلال الجلسة الرئيسية، تحدث معالي عبدالله بن طوق، وزير الاقتصاد، بحضور نخبة من قيادات المؤسسات الإعلامية الوطنية ورؤساء تحرير الصحف المحلية وكبار الكُتّاب وصناع الرأي والمفكرين ورموز العمل الإعلامي في الدولة.
وأكد معاليه، أن دولة الإمارات قطعت بفضل رؤية وتوجيهات قيادتها الرشيدة أشواطاً واسعة في إحداث تحول نوعي في نموذجها الاقتصادي ليكون أكثر مرونة واستباقية ومواكبة للاتجاهات المستقبلية، وأنّ إعلامنا الوطني شريك في هذا التحول النوعي، ودوره محوري في تعزيز مكانة الدولة ونقل صورة الإمارات إلى العالم.
وأضاف معاليه، أنّ التحول النوعي نموذج اقتصادي رائد ويتميز بمواصفات عالمية كفيلة بأن تجعل من دولة الإمارات شريكاً رئيسياً لمعظم الأسواق العالمية، ووجهة مفضلة للشركات والأعمال الريادية، وخاصة في قطاعات الاقتصاد الجديد.
وقال معاليه: «انطلاقاً من محددات رؤية «نحن الإمارات 2031»، ووثيقة المبادئ الاقتصادية لدولة الإمارات، تم رسم معالم واضحة لطبيعة النمو والازدهار الاقتصادي المنشود لدولة الإمارات خلال العقد المقبل، والذي يركز على الاستدامة كمبدأ ثابت يدخل في صميم العملية التنموية، وهو نمو مدفوع بالمعرفة، ويتبنى مبدأ الانفتاح على العالم، والشفافية، ويقوم على مواصلة تطوير البنى التحتية واللوجستية، وتحديث التشريعات الاقتصادية، واستقطاب المواهب والكفاءات».
وشدد معاليه، على أن الاقتصاد الوطني يعتمد بشكل أكبر على التوسع في التكنولوجيا والتحول الرقمي والاتجاهات المتقدمة والجديدة في مجالات الابتكار والبحث والتطوير، وتشجيع تأسيس الأعمال والاستثمار وخلق الفرص في قطاعات الاقتصاد الجديد مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والتكنولوجيا المالية وتطبيقات الثورة الصناعية الرابعة والفضاء، فضلاً عن القطاعات الحيوية الأخرى مثل السياحة وريادة الأعمال وغيرها من القطاعات التي تمثل رهاناً للمستقبل، وهذا يتطلب أن يكون إعلامنا المحلي على قدرٍ عالٍ من المسؤولية لمواكبة هذه التحولات.
ولفت معالي عبدالله بن طوق المتحدث الرئيس لمنتدى الإعلام الإماراتي، إلى أن السنوات القليلة الماضية كانت حافلة بسلسلة من التحديات والمتغيرات التي يمكن اعتبارها استثنائية جداً وذات آثار عميقة على المشهد الاقتصادي العالمي، ابتداءً من انتشار جائحة «كوفيد19» وما نتج عنها من إغلاق اقتصادي وتجاري وتوقف عجلة الأعمال، والحروب والصراعات التي شهدتها مناطق عديدة إقليمياً ودولياً، فضلاً عن توتر العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وتزايد الضغوط الحمائية على التجارة الحرة في العالم، وأثر ذلك كله في ارتفاع معدلات أسعار الشحن والحاويات وتكلفة التجارة، وزيادة نسب التضخم وأسعار الفائدة عالمياً.
وقال معاليه: تطلب هذا التعامل مع هذه التحديات برؤية جديدة تتسم بقدر كبير من الاستباقية والمرونة، وهو ما أدركته دولة الإمارات مبكراً بفضل رؤية قيادتها الرشيدة، وكذلك نريد لإعلامنا المحلي أن يكون استباقياً في معالجة وتحليل الموضوعات الاقتصادية. وتابع معالي وزير الاقتصاد، قائلاً: شهدت المرحلة الماضية تعديل وتحديث أكثر من 10 تشريعات في العديد من القطاعات الاقتصادية، لاسيما الاقتصاد الجديد، وإصدار تشريعين جديدين وهما: «قانون الشركات العائلية»، وقانون «التجارة من خلال وسائل التقنية الحديثة»، وإضافة إلى ذلك، تم تعديل قانونين جديدين، الأول قانون «الوكالات التجارية»، والثاني تعديل قانون «التعاونيات»، وبالحديث عن التعديلات التشريعية، أود أن أذكر التعديل الجوهري لقانون الشركات التجارية، الذي سمح بالتملك الأجنبي للشركات بنسبة 100 %، حيث أسهم هذا التعديل في إضافة 275 ألف شركة جديدة للاقتصاد الإماراتي خلال عام ونصف العام وبنسبة نمو قوية بلغت 43 %، وتضمنت التعديلات التشريعية أيضاً، قوانين أخرى مثل حماية المستهلك والمعاملات التجارية والتحكيم ومدققي الحسابات، هذا بالإضافة إلى أن دولة الإمارات أصبحت اليوم تمتلك بيئة تشريعية نموذجية لحماية حقوق الملكية الفكرية وتعزيز بيئة تنافسية وحاضنة للإبداع والابتكار، عبر إصدار ثلاثة تشريعات متكاملة وتواكب أفضل الممارسات العالمية، وهي قانون تنظيم وحماية حقوق الملكية الصناعية، وقانون العلامات التجارية، وقانون حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة.
أرقام وإحصائيات
وخلال الكلمة الرئيسية، تطرق معالي عبدالله بن طوق، وزير الاقتصاد، إلى مجموعة من الأرقام والمؤشرات الكلية التي حققها اقتصاد دولة الإمارات، حيث حقق الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة في عام 2021 نمواً بنسبة 3.8 % متجاوزاً توقعات المؤسسات الدولية، ليبلغ 1.492 تريليون درهم، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي في العام 2022 بالأسعار الثابتة 1.62 تريليون درهم، محققاً نمواً إيجابياً قدره 7.9 %. وفي النصف الأول من العام 2023، حقق الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للدولة نمواً بنسبة 5.9 % عما كان عليه في النصف الأول من العام 2022، ليحل الاقتصاد الإماراتي بذلك في المركز الأول ضمن الأسرع نمواً على المستويين الخليجي والعربي، ومتقدماً على العديد من الاقتصادات العالمية البارزة.
وقال معاليه: «نتوقع أن ينمو الاقتصاد الوطني بنسبة تصل إلى 5 % خلال العام الجاري، حيث بلغ أيضاً إجمالي عدد الشركات العاملة في دولة الإمارات أكثر من 788 ألف شركة بنهاية عام 2023، وفي مجال السياحة ارتفع إيرادات المنشآت الفندقية في الدولة إلى 43.5 مليار درهم خلال عام 2023 بنسبة نمو %15 مقارنة بعام 2022، كما وصل معدل الإشغال الفندقي إلى 75.4 % خلال عام 2023 مقارنة بـ 71.2 % خلال عام 2022، والذي يمثل أعلى المعدلات المحققة في الوجهات السياحية الرائدة على مستوى العالم.
وعلى صعيد الاستثمار، بلغت قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد في عام 2022 إلى دولة الإمارات 22.737 مليار دولار بزيادة عن العام 2021 بمقدار 2.07 مليار دولار وبنسبة نمو 10 % لتحتل المرتبة 16 عالمياً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد في 2022، كما سجلت الإمارات ثاني أعلى زيادة عالمية في مشاريع الاستثمار الأجنبي الجديدة بنسبة 28 % في عام 2023.
مواكبة مستجدات
بدورها، أعربت الدكتورة ميثاء بنت عيسى بوحميد، مديرة نادي دبي للصحافة، عن خالص الشكر والتقدير لمعالي عبدالله بن طوق، لما قدمه في كلمته من رؤى وتحليلات قيمة حول الأهمية المركزية لقطاع الإعلام في مختلف الملفات الاقتصادية والتنموية لدولة الإمارات، مؤكدة أن مشاركة معاليه كمتحدث رئيسي في المنتدى وما قدمه من رؤية وأفكار من شأنها تمكين الإعلام المحلي من تطوير إعلام اقتصادي يواكب المستجدات سواء من ناحية المحتوى أو وسائل وأدوات نقله إلى المتلقي، إضافة إلى المساعدة على تكوين رسالة إعلامية موحدة تعكس مواقف دولة الإمارات الواضحة حيال مختلف المتغيرات الراهنة والمستقبلية.
وأضافت ميثاء بوحميد خلال إلقائها الكلمة الافتتاحية للمنتدى، أن المنتدى باعتباره التجمع الأكبر من نوعه للقيادات الإعلامية في الدولة، ساهم خلال السنوات الماضية بوضع تصورات ورؤى للنهوض بقدرات الإعلام الإماراتي والانتقال به إلى مستويات تنافسية أعلى. وقالت: «مع انطلاق الدورة التاسعة للمنتدى نطمح إلى مرحلة جديدة ونقاش شفاف وصريح، لتسريع خطوات العبور إلى المستقبل الذي تطمح له القيادة الحكيمة، وكذلك مختلف النخب وصناع الإعلام الإماراتي، مؤكدة أن متطلبات المرحلة الحالية كبيرة، والجميع شركاء في وضع الإعلام الإماراتي في موقعه المميز. وتابعت مديرة نادي دبي للصحافة خلال الكلمة الافتتاحية: نادي دبي للصحافة حمل منذ نشأته مسؤوليته الوطنية تجاه دولة الإمارات، فعمل على تدريب وتأهيل المواهب والكفاءات الإعلامية من الصف الثاني والثالث، وما زال مستمراً في حمل هذه المسؤولية، حيث شهد النادي اليوم توقيع اتفاقية برنامج «صناع المحتوى الاقتصادي» بين مجلس دبي للإعلام، ووزارة الاقتصاد، والذي يهدف إلى بناء إعلام اقتصادي متميز ومؤثر.
وأضافت بوحميد: «الإمارات دائماً تحت الأضواء، وهذا يتطلب إعلاماً على قدرٍ عالٍ من المسؤولية، يواكب رؤية وتطلعات القيادة، ليس فقط على المستوى الداخلي وإنما على المستوى الخارجي أيضاً، فكما خطابنا الإعلامي الداخلي مهم ومؤثر، نريد لإعلامنا أن يمتلك الأدوات والأساليب التي تمكنه من بناء خطاب إعلامي مؤثر في محيطنا الإقليمي والدولي». وأكدت ميثاء بوحميد، أن الإعلام الوطني هو التعبير الحقيقي لشكل المستقبل الذي نطمح له، ومرآة قصة الإمارات وشعبها الطموح.
شفافية نقاش
وفي أجواء تنظيمية، جاء النقاش صريحاً وبناءً واتسم برغبة حقيقية من جميع المشاركين في إحداث نقلة نوعية في قطاع الإعلام الإماراتي، حيث تطرقوا إلى جملة من الموضوعات المهمة التي تتعلق بأبرز التحديات التي يواجهها القطاع حالياً، والرؤى والأفكار التي أسهموا بها في سبيل الارتقاء بمنظومة العمل الإعلامي، في ضوء استراتيجية تكفل توسيع المشاركة في دعم مسيرة التنمية الشاملة في الدولة، وتضيء على أهم مسارات التطوير وما تثمره من إنجازات تصب في مصلحة المجتمع.
غياب بيانات
وبدأ النقاش بسؤال وجهته مديرة الجلسة هند النقبي من «دبي للإعلام» إلى رائد برقاوي رئيس التحرير التنفيذي في «صحيفة الخليج»، حول تقييمه الشخصي للمستوى الذي وصله الإعلام الإماراتي بالمقارنة مع تجارب الدول الإقليمية، وقال برقاوي، خلال الإجابة عن السؤال الموجه إليه: إن الإعلام المحلي خلال فترات سابقة كان متأخراً عن مواكبة ملف الاقتصاد، ولكنه اليوم أفضل حالاً، مشيراً إلى أن الإعلام الاقتصادي في الدولة يعاني حالياً من تحدٍ متمثل في عزوف مسؤول الاقتصاد عن إعطاء بيانات وأرقام من المؤسسات الحكومية، وهذا يؤثر بشكل مباشر على الإعلام، لأن المعلومات هي أساس بناء إعلام اقتصادي، مؤكداً أن الإعلام الإماراتي هو الأفضل خليجياً وعربياً.
ورداً على سؤال وجه إلى منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، حول الاتفاقية الموقعة بين مجلس دبي للإعلام ووزارة الاقتصاد، قالت: «قطاع الإعلام بحاجة إلى كفاءات في مختلف المجالات وأكثرها إلحاحاً الجانب الاقتصادي باعتبارنا نعيش في دولة قائمة على الاقتصاد، ومن هذا المنطلق وقعنا اليوم اتفاقية تعاون مع وزارة الاقتصاد لدعم صناع المحتوى من جميع الفئات والتخصصات الإعلامية والصحفية»، لافتة إلى أن الهدف من الاتفاقية ليس فقط تدريب وتطوير المواهب والكفاءات الإعلامية، وإنما أيضاً صناعة محتوى اقتصادي وإعلامي مبتكر.
لغة مبتكرة
ورداً على سؤال حول بناء الصورة الإعلامية الرسمية للدولة في الخارج في ظل تعدد الملفات والقضايا وتنوع المنصات الإعلامية، وأيهما الأكثر إلحاحاً الخطاب الإعلامي المحلي أم الخارجي، قال محمد جلال الريسي، المدير العام لوكالة أنباء الإمارات «وام»: «الإمارات دولة عالمية، ويعيش على أرضها 200 جنسية من ثقافات عالمية مختلفة، ولديها مقرات لشركات عالمية، ومن السهل ملاحظة أن كل ما تقوله الإمارات نبدأ بسماع صداه حول العالم، وهذا بكل تأكيد يفرض مسؤولية مضاعفة للمؤسسات الإعلامية».
وأضاف: «من المهم أن نعمل على تعزيز خطابنا الإعلامي الداخلي في ظل تواجد هذا الكم من الثقافات على أرض الدولة، ولكن في ذات السياق المطلوب أن نعمل على تعزيز خطابنا الإعلامي الخارجي بلغة وأدوات مختلفة ومبتكرة».
من جهته، أشار ضرار بالهول، المدير التنفيذي لمؤسسة وطني الإمارات، إلى أهمية الرقابة الذاتية في تناول القضايا الإعلامية، مؤكدة أن الخطوط الحمراء في الإعلام الإماراتي هي خطوط أخلاقية.
مواهب إعلامية
وحول استثمار الحكومة في القيادات ضمن مختلف القطاعات الحيوية، والتحديات التي تقف أمام إعداد كوادر إعلامية من الصف الثاني والثالث، قال سعود الدربي، رئيس مركز الأخبار والنشر في «دبي للإعلام»، رئيس تحرير صحيفة «البيان»، إن المؤسسات الإعلامية ليس وحدها المسؤولة عن صناعة المواهب وإعداد كوادر إعلامية من الصف الثاني والثالث، فهذه مسؤولية مشتركة مع المؤسسات التعليمية أيضاً، وضعف هذه الكفاءات يعود إلى غياب الاهتمام بالتخصصات الصحفية، مشيراً إلى أن العديد من الجامعات ألغت تخصصات الصحافة من المنهاج التعليمي، وهذا شكل عبئاً على اكتشاف وصناعة المواهب.
رؤية مشتركة
بدوره، أكد الدكتور حمد الكعبي، رئيس تحرير صحيفة «الاتحاد»، ضرورة تحديد المطلوب من الإعلام في الجانب الاقتصادي، مشيداً بأهمية الاتفاقية الموقعة بين مجلس دبي للإعلام ووزارة الاقتصاد، نظراً لحاجة السوق الإعلامي في الدولة لإعلاميين يتمتعون بحس واعٍ في التخصص الاقتصادي، مؤكداً وجود رؤية إعلامية مشتركة وموحدة بين جميع المؤسسات، إلى جانب نشرات وملاحق اقتصادية تعبر عن مكانة الدولة اقتصادياً.
مناطق إعلامية
ورداً على سؤال وجهته مديرة الجلسة إلى مالك آل مالك عضو مجلس دبي للإعلام، رئيس مجلس إدارة مجموعة تيكوم، حول دور المناطق الإعلامية الحرة قال: تعمل المناطق الإعلامية الحرة على تطوير وتعزيز مكانة المدن كمحفزات اقتصادية، ومدى النجاح في تكريس سمعة هذه المناطق لتعزيز جاذبيتنا الاستثمارية عالمياً على مستوى قطاع الإعلام. وقال: «تشهد المناطق الحرة في دبي أكبر تجمع إعلامي في المنطقة، حيث تجاوزت هذه المناطق وجود أكثر من 3500 مؤسسة إعلامية»، مؤكداً أن القوانين والتشريعات وتحديثها المستمر يصب في مصلحة نمو قطاع الإعلام الذي ينعكس بدوره على اقتصاد الدولة.

