أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، أن مبادرة صناع الأمل في دورتها الرابعة احتضنت آلاف القصص ومبادرات الخير والعطاء.

ودوّن سموه على حسابه عبر منصة «إكس»: «مبادرة صناع الأمل في دورتها الرابعة.. 58 ألف مشارك.. آلاف القصص ومبادرات الخير والعطاء..الجميع فائز.. والجميع مساهم في صنع روح من التفاؤل والإيجابية في عالمنا العربي.. الشعوب تحيا وتزدهر بالأمل.. نشر اليأس هو أكبر تحد تواجهه شعوبنا العربية.. ومن كان يؤمن بالأمل فليقل خيراً للأجيال العربية الجديدة.. أو ليصمت».

واحتفت مبادرة «صناع الأمل» بأربع قصص ملهمة، للعراقي محمد النجار، الذي أعاد الأمل لمبتوري الأطراف من ضحايا الحروب، والمغربي أمين إمنير، الذي حول مواقع التواصل الاجتماعي لبوابة جديدة من العطاء، والمصرية فتحية المحمود، التي انتزعت بجدارة لقب «أم اليتيمات»، والعراقية تالا الخليل، التي تداوي أرواح أطفال متلازمة داون والمصابين بالسرطان. وتفصيلاً، لم يكن يتخيل الكثيرون ممن يعرفون العراقي الدكتور محمد النجار «37 عاماً» أن فقدانه ساقه في عام 2014 سيكون بادرة أمل لكثير من مبتوري الأطراف في العراق، بعد أن حول النجار المستطيل الأخضر إلى دافع قوي، يجدد عبره الأمل، ويستعيد به الثقة بالنفس والحلم بحياة جديدة، بعد أن وضعت الحرب في العراق أوزارها.

وبدأت الحكاية الملهمة لصانع الأمل العراقي، بعد أن فقد ساقه نتيجة تطوعه للقتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي، حيث أصيب برصاصة في ساقه، نتجت عنها مضاعفات عرضت حياته للخطر، وأدخلته في غيبوبة لأكثر من شهرين، لكنه ما إن استفاق حتى قرر أن يخلق لنفسه فسحة من الأمل مهما ضاقت به الأماكن، حيث قرر تحويل هذا الحادث المفجع إلى ذكريات بعيدة، والانطلاق في مجال العمل الإنساني، الذي اتخذه أسلوب حياة ومنهج عمل، وبوصلة ترشده على طريق الأمل.

ولم يستسلم النجار، وبدأ مرحلة التعافي، وعاد إلى عمله في وزارة النفط العراقية، وتمكن من الحصول على بعثة لدراسة الدكتوراه في لندن، بعد أن تكيف مع الطرف الاصطناعي، الذي تم تركيبه له، وبدأ بالعودة للمشي وأداء أعماله اليومية، والاهتمام بأسرته.

دراسة الدكتوراه

ورغم انشغال النجار بدراسة الدكتوراه في القانون في بريطانيا عام 2016، إلا أنه لم يفقد يوماً شغفه بكرة القدم، حيث كان يحلم بأن يكون لاعباً يترك بصمة وذكريات لدى الجماهير، إلا أن تنظيم «داعش» الإرهابي أجهض هذا الحلم، لكنه عاد إليه مرة أخرى، بعد أن علم أن هناك فريقاً لمبتوري الأطراف في مدينة بورتسموث البريطانية، التي يدرس فيها، ويحمل الاسم نفسه، فكتب إليهم، وأراد الانضمام إليه، وهو ما حدث بعد ذلك.

بعد أن تحقق حلمه، وعاد إليه شغفه، وأصبح جزءاً من فريق بورتسموث، شارك معه في الكثير من المباريات على مدار 4 سنوات هي مرحلة دراسته ببريطانيا، ومن هناك حاول وضع نواة لفريق عراقي من مبتوري الساق، لكن هذه الفرصة لم تحن إلا بعد عودته إلى بغداد.

وتمكن صانع الأمل العراقي مع فريق بورتسموث من الحصول على كأس دوري إنجلترا في عام 2018، وقد ازدادت شهرته بين العرب والعراقيين في مدينة بورتسموث، بعد حصوله على لقب أفضل لاعب في النادي عام 2019، الأمر الذي حفزه أكثر على نقل التجربة إلى وطنه، بعد أن أعادت له كرة القدم ثقته بنفسه ولياقته البدنية.

ولم يكن الأمر سهلاً على صانع الأمل العراقي في بادئ الأمر، لأنه لم يتمكن من إيجاد الأشخاص المطلوبين، حتى قرر أن يكلف زميلاً له، يعمل على صناعة الأطراف الصناعية، بنشر الخبر والبحث عن لاعبين، وبالفعل بعد اختبارات عديدة للمتقدمين اختار نحو 50 لاعباً، سبق أن مارسوا كرة القدم.

تحديات

وخلال هذه الفترة لم يستطع أي من التحديات إيقاف النجار عن خططه، حيث حاول ولأكثر من سنة مع الفريق، الذي كانت تتراوح أعمار لاعبيه بين 14 و40 عاماً، المشاركة في مباريات ودية دولية عديدة، رغم عدم اعتراف الجهات المعنية في العراق بالفريق في بادئ الأمر، لكن حصوله على اعتراف الاتحاد الدولي لكرة قدم مبتوري الأطراف سهل المهمة.

ولأن النجار انتهج طريقة العمل بروح الفريق الواحد نجح الفريق العراقي، وخلال عام واحد فقط من مولده في التأهل لكأس العالم لمبتوري الأطراف، التي استضافتها تركيا في شهر أكتوبر الماضي، وتمكن من تحقيق ثلاثة انتصارات على منتخبات أوروغواي وإيرلندا وألمانيا، وخسر ثلاثاً أخرى، ووضعت هذه الإنجازات تصنيف فريق العراق لكرة القدم لمبتوري الأطراف في الترتيب الـ19 عالمياً من أصل سبعين فريقاً على الرغم من حداثة التجربة العراقية، والتنافس مع فرق لها باع طويل في اللعبة.

ولم يكن طريق النجار في هذه الفترة مفروشاً بالورود، بل عمل على إعادة الروح إلى هذه الشريحة المثخنة بالجراح، بعد أن فقد بعضهم الشغف في الحياة وتملكه اليأس، لكنه كان يؤكد لهم دوماً أنهم وكما ضحوا بجزء من أجسادهم، من أجل الحفاظ على وحدة وأمن العراق سيضحون مرة أخرى، ومرات من أجل رفع اسم دولتهم في المحافل العالمية.

ولم يكتف النجار ببث الحماس بين فريق العراق، بل تكفل في بداية الأمر بنفقات الفريق من تأجير ملاعب، وشراء الزي الرسمي، لكن بمرور الوقت وجد رعاة يودون مساعدة الفريق في خطواته، التي ألهمت عدداً من الأندية العراقية، ودفعتها إلى تكوين فرق محلية لكرة القدم لمبتوري الساق.

مواقع التواصل.. بوابة للعطاء

حول صانع الأمل المغربي أمين إمنير حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى بوابة جديدة للعطاء، بهدف تحسين نوعية الحياة، والارتقاء بالمستوى المعيشي للأسر الأقل حظاً في المملكة المغربية، ورغم إيمانه بأن هذا الطريق ليس سهلاً، لكنه لم ييأس وأصر على مواصلة صناعة الأمل، حيث يؤكد دوماً أنه نذر حياته لمساعدة أبناء بلده.

وتبنى صانع الأمل المغربي، رئيس جمعية أفتاس للتنمية والتعاون، الكثير من المبادرات والحملات الإنسانية التي تسعى إلى التخفيف من معاناة أبناء وطنه، حيث يقوم بتنظيم العديد من الحملات الإغاثية لتوزيع المساعدات على المحتاجين في المملكة المغربية، إذ تشمل هذه المساعدات الإغاثية توزيع الأضاحي والسلال الغذائية وحفر الآبار وبناء الجسور، وغيرها من أعمال الخير.

ولا يكل صانع الأمل أمين إمنير، ولا يمل في العمل على توفير المساعدات المالية من فاعلي الخير في كافة أنحاء البلاد، من أجل استخدامها في توزيع المواد الغذائية للمحتاجين، وحفر الآبار في المناطق النائية والقرى وحتى تأمين المساعدات الطبية والأدوية وإجراء العمليات المجانية للمرضى وكبار السن، وغيرها من الأمور.

تحفيز الآخرين

ويحرص إمنير على توثيق كافة نشاطاته الإنسانية عبر قناته «فيسبوكي» على يوتيوب، من أجل تحفيز الآخرين للسير على دروب العطاء، ونشر ثقافة العمل الإنساني عبر نقل صور بسيطة وعفوية من المبادرات الإنسانية، التي تعمل عليها جمعيته، والتي استفاد منها أكثر من 150 ألف شخص في مختلف مدن المملكة المغربية. وحققت جمعية أفتاس للتنمية والتعاون عدداً من الإنجازات، منها توزيع 800 أضحية على العائلات المحتاجة منذ عام 2020، وحفر أكثر من 100 بئر، وتوزيع أكثر من ألف لوح لإنتاج الطاقة الشمسية، وتوزيع أكثر من 4500 سلة غذائية على الأسر المحتاجة والأرامل والأيتام، وتشييد جسر فوق وادٍ لفك العزلة عن 3 مناطق تتعرض لفيضانات، وإجراء 217 عملية جراحية خلال 2023، وزراعة 2800 شجرة مثمرة.

أم اليتيمات

وتجسد تجربة المصرية فتحية المحمود الملقبة بـ«أم اليتيمات» و«ماما فتحية» نموذجاً ملهماً لاحتضان الأمل وتنشئته في مراحل تكوينه الأولى، من منطلق إيمانها بأن تعهد رعاية صناعة الأمل منذ مرحلة الطفولة يثمر عطاء في الكِبر، الأمر الذي دفعها لاستقبال 34 طفلة يتيمة في بيتها، لتكتب منذ العام 2005 فصول قصة سيدة ملهمة ونموذجاً لجنود الخير، الذين وهبوا حياتهم لخدمة الفئات الأقل حظاً.

تزوجت فتحية المحمود، قبل 30 عاماً، ولكنها لم تُرزق بأطفال، ورغم أنه كان حلمها الوحيد إلا أنها رضيت بقضاء الله وقدره، وأمام رغبتها الكبيرة هي وزوجها في سماع كلمة «ماما وبابا» قررا تبني 34 فتاة، والإشراف على رعايتهن وتعليمهن وتربيتهن، معتمدين في ذلك على مدخراتهما، التي جمعاها من رحلة عمل طويلة في بلاد الغربة.

وبدأت حكاية «ماما فتحية»، التي أسست جمعية لمسة أمل لرعاية الأيتام، للاعتناء بالفتيات، أثناء وجودها في عزاء صديقتها، حيث شاهدت ابنتها وهي تجتهد في الدعاء لها، وهنا تبادر إلى ذهنها سؤال «من سيدعو لي بعد وفاتي؟!»، فوجدت أن هناك الكثير من الأطفال الأيتام بلا مأوى، ولا توجد دور كافية تحتويهم وتعتني بهم، وتمنحهم الاهتمام اللازم، والحضن الدافئ لتخرج من داخلهم مواهب وطاقات، تجعلهم مميزين بين أقرانهم في المجتمع، وتحقق لهم التوازن بين حالتهم النفسية والاجتماعية، فقررت البحث عن أطفال لكي تتبناهم. ورغم أن مسؤولية تربية 34 فتاة بعضهن وصل إلى مرحلة سنية تحتاج إلى رعاية خاصة أمر ليس بالهين، ويحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد، إلا أنها تجد في تلك المسؤولية الثقيلة متعة خاصة، حيث تحرص على القيام بكافة واجباتها تجاه بناتها بكل شغف ودقة.

وتعمل «ماما فتحية» على غرس ثقافة العطاء في بناتها الـ34 من منطلق إيمانها بأن كل جهد شخصي يبذل في العطاء وفعل الخير سيحدث فرقاً كبيراً في حياة المجتمعات والمحتاجين، وسيعود على فاعله بسعادة غامرة، لا تعادلها كنوز العالم، وهو ما كان دافعاً وحافزاً لها على امتلاك المعرفة بشؤون التربية وتفاصيلها، وكيفية تقديم الرعاية المناسبة لهؤلاء البنات في البداية، الأمر الذي ساعدها على تجاوز الكثير من الضغوط النفسية والتحديات، حيث تعلمت من التجربة لدرجة أكسبتها القدرة على فهم احتياجات بناتها فقط من نظرة عين.

يبدأ يوم «ماما فتحية» بعد صلاة الفجر، بعد أن قررت أن تكون هي فقط وزوجها المسؤولان عن تربية بناتهما وذلك بعد أيام وليالٍ من التدقيق قضياها في اختيار من يتولى شؤون البنات، وكذلك مديرات للمنزل، والأمهات البديلات، حيث انتهت رحلة البحث إلى قناعة شخصية من جانبهما بأنه لن يعتني أحد ببناتهما بالشكل الكافي غيرهما، فتوليا في مقر «لمسة أمل» كافة تفاصيل تربية الفتيات.

لم تكتفِ «ماما فتحية» بتأسيس جمعية لمسة أمل لرعاية الأيتام، بل عملت هي وزوجها على تكريس جهودهما لتحسين الرعاية الصحية للأيتام، وأصحاب الهمم، عبر إنشاء مستشفى مجاني في منطقة حدائق الأهرام بمحافظة الجيزة، يوفر الرعاية الصحية لهذه الفئات.

ماما المحاربين الصغار

لم تكن تعرف صانعة الأمل العراقية الدكتورة الصيدلانية تالا الخليل أن اللحظة التي تطلب فيها إحدى الأمهات مساعدتها لإقناع طفلها بتناول طعامه وعلاجه ستكون فارقة في مسيرة حياتها، فبعد أن تعلمت في دراستها خلط المركبات، للحصول على دواء يعالج أوجاع البشر، أدركت أنها منذ هذه اللحظة أن عليها تعلم خلط أنواع أخرى من المركبات، التي تعالج أرواح من أطلقت عليهم اسم المحاربين من الأطفال أصحاب الهمم، حيث كتبت معهم فصول قصة ملهمة، بدأتها بتأسيس «أكاديمية المحاربين» في البصرة، وهي مؤسسة مجانية لرعاية ومساعدة الأطفال من أصحاب الهمم في العراق.

واستهلت تالا الخليل رحلتها مع عالم صناعة الأمل في عام 2015، عندما خصصت «كرفاناً» في مستشفى الأطفال التخصصي في البصرة لاستقبال مرضى السرطان من الأطفال لغرس الأمل، وتجاوز الكثير من التحديات، والتي أبرزها عدم قدرتهم على استكمال الدراسة، أو الاندماج في المجتمع، أو حتى إيجاد مساحة أمل لحياتهم؛ لأنهم محاطون فقط بالمرض والدواء، وجدران المستشفى الصماء، فكان هذا «الكرفان» بمثابة فسحة جديدة، أعادت إلى قلوبهم الأمل، ومن هنا جاءتها فكرة تأسيس مشروع الأكاديمية.

وجاءت فكرة الأكاديمية بعد أن تعرضت صانعة الأمل تالا الخليل لصدمة، نتيجة طلب إحدى الأمهات إقناع طفلها بتناول علاجه، وبعد محاولات عديدة منها دون استجابة، أبلغتها الأم أن طفلها صاحب همة أصم، الأمر الذي سيطر على تفكيرها، وطرح لديها الكثير من التساؤلات، التي بحثت عن إجابات لها، والتي مثلت لها في الوقت نفسه حافزاً بأن تنشئ مؤسسة متخصصة لعلاج أصحاب الهمم، وكان ذلك في العام 2018، والآن ترعى وبمجهود شخصي منها أكثر من 200 طفل من مصابي متلازمة داون والسرطان.

ونجحت تالا الخليل في الحصول على دعم من البنك المركزي العراقي، لتوفير مبنى مؤثث بشكل متكامل لمدة 3 سنوات، حيث انطلقت الأكاديمية في البداية بـ100 محارب من المرضى وأصحاب الهمم، تسعى إلى إعدادهم لمواجهة تحديات الحياة بكل ثقة في النفس. ولم يكن الطريق سهلاً أمام تالا الخليل، التي واجهت الكثير من التحديات، والتي تمكنت من التغلب عليها، حتى توفر لمنتسبي الأكاديمية من الأطفال، الذين ينادونها بـ«ماما» مقراً آمناً وظروفاً صحية ونفسية جيدة، الأمر الذي ساعدها على سرعة اكتشاف مهاراتهم، والتركيز عليها، وتطويرها، من أجل وضعهم على الطريق الصحيح.

وتعمل صانعة الأمل تالا الخليل على تقديم الدعم النفسي للأطفال لإيمانها بأن هذا الدعم يرفع نسبة الشفاء، وأن للحالة النفسية الجيدة كبير الأثر في تقوية جهاز المناعة، ومقاومة هذا المرض الشرس، ومن أجل ذلك استخدمت الفنون لرفع مناعة الأطفال المصابين بالسرطان أو متلازمة داون.