لصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، مع الشعر جولات وصولات لا يعرفها إلا فرسان القصيد، فهو شاعر الجزيرة وفارسها الجسور الذي يمتطي ظهور الخيل العِراب كما يمتطي ظهور القصائد الرائعات، وهو على امتداد عمره المبارك الميمون قد خلّد أروع ما في هذه الحياة في قصائده البديعة، وإنّ من بين أجمل ما يمتاز به صاحب السموّ من فنون القصيد قصائد الفخر الرفيع الدالّ على الثقة بالنفس، وبروز نزعة القيادة في شخصيته التي ورثت المجد كابراً عن كابر، وأتيح له أن يختبر الحياة على نحوٍ جعل منه قائداً مُلهماً، وشاعراً متفرّداً، وما زالت قريحته الشعرية الفذّة تجود بين الحين والآخر بفرائد القصائد وبدائع القوافي الشوارد.
في هذا السياق المتدفّق من حبّ الشعر، نشر صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم على حسابه في «إنستغرام» قصيدة بديعة بعنوان «بنات الملوك» أودعها الكثير الكثير من خصائص شخصيته المتفرّدة، وركز فيها على ما منحه الله تعالى من الخِلال والشمائل التي جعلت منه قائداً عزّ نظيره بين القادة الفرسان.
ليلي أنا غير، مع ليلى القصيد العنود
وقصيدتي يزيدها مرّ الليالي صِبا
وفهمي أنا غير، ما تحدّه مدود وسدود
ولو خبا نور الأفهام هو ما خبا
وعلمي أنا غير، ما يبغي حضور وشهود
عطيّة الله لي عزّت لمن يطلبا
بهذا المطلع المفعم بالمجد والرئاسة يفتتح صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم هذه القصيدة الفخمة، مؤكّداً على تميّزه في هذه الصفات المعنوية الفريدة، فهو شاعر كبير المنزلة يمنح الشعر ما يستحقّه من العناية والاهتمام، ويسهر له الليالي الطويلة في سبيل تنقيح القصيد وتجويد صنعته، فهو يروّض القوافي الصعاب العنود، ويسبكها مثل سبيكة الذهب لامعة متلألئة، وكلّما تأخرت القصيدة في الظهور ازداد صباها وشبابها بسبب ما توفّر لها من ضروب التجويد والإتقان، فهي تختال بين القصائد مثل غادة حسناء بين الغيد الحِسان، فإذا تحدّث سموه عما منحه الله من ملكة الفهم ونور البصيرة فهو متفرّدٌ أيضاً مثل بحر زاخر، وشواطئه لا يبلغها سد ولا حدّ، ونور بصيرته لا يزداد إلا توهُجاً، فهو يحمل نار المعرفة التي لا يخبو جمرها ولا تنطفئ شعلتها، وهذا الذي قد امتاز به سموه في العلم قد امتاز بنظيره في مَلَكة الفهم، فالفهم هو حسن التبصر فيما يُحصّله الإنسان من العلوم والمعارف، وها هنا تفترق الأفهام وتبين المقادير، وفي هذا الموطن يفتخر صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد بهذه العطية الربانية من نور الفهم الذي يستوي فيه الغياب والشهود، فهو ينظر بنور البصيرة وفراسة القائد الذي تمرّس بالأيام، واختبر الرجال والأحوال.
وقلبي أنا غير، ما يخاف الجفا والصدود
وحبيبتي غير، تِحيا بين وحش الظّبا
وصدري أنا غير، واسع ما لوسعه حدود
كنّه بلد في إتساعه للمدى يتعبا
وجندي أنا غير، ما تشبه جنودي الجنود
ما حد لجندي ولو حاول لهم يغلبا
وتزداد القصيدة إفصاحاً عما منح الله تعالى سموه من شريف الشمائل وكريم الأخلاق والسجايا، فيتحدّث في هذا المقطع عن قلبه الصبور على لوعات الفراق، فهو رابط الجأش لا يخاف من لذعات الجفا والصدود، ولا يسمح لكبريائه أن تنحني وراء حبيب مفارق، فهو فارسٌ في حبه، وفارسٌ في كبرياء قلبه، ولذلك كان اختياره للحبيبة أيضاً مختلفاً فهي ليست من هؤلاء المستأنسات بالآخرين، بل هي عنودٌ نفورٌ لا تسرح إلا مع ظباء الفلا، في إشارة إلى عفّتها وارتفاع قدرها في نظر فارسها، هذا الفارس الذي يمتاز بالحلم وسعة الصدر ورحابة الأخلاق، فهو واسع الصدر إلى الدرجة التي تضيق عنها الحدود، فهو كالبلد المترامي الأطراف الذي يتعب العدوّ حين يسير فيه، ولأنّ ذلك كذلك، فإنّ جيوش سموه وجنوده الأشاوس البواسل مختلفون عن غيرهم من الجنود في شجاعتهم وبسالتهم، وكم حاول المغرضون منازلة هذا الجيش فلم يرجعوا إلا بالندامة والخسران.
وبحري أنا غير، ما توصل لقاعه بلود
ومن دخل في عواصيف الخطر يركبا
وخوي أنا غير، له سمعه ع دق الرعود
له سيرة المجد كانه جاك عنه النبا
هذي الإمارات محلوه عليها العقود
بنات الملوك وحياتي لها بوهبا
ولا تزال ساحة المجد تزداد اتساعاً في شعر صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، فبحره أيضاً مختلف عن غيره من البحار، ولا يستطيع أحد الوصول إلى قاعه بسبب أعماقه السحيقة، ومن غامر في ركوب البحر تعرّض للعواصف التي تقصف السفن والمراكب، وتُعيد كلّ مغامر إلى مربّعه الأول، وبذكاء الشاعر المحترف ينتقل سموه من البحر العادي إلى بحر الكرم والعطاء والسجايا الرفيعة، إلى أخيه وسميّه وعضيده صاحب السموّ الشيخ محمّد بن زايد آل نهيّان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي طارت سمعته في الآفاق مُدويّة مجلجلة مثل صوت الرعد القاصف، فهو صاحب سيرة المجد التي ورثها من سيد الأماجد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي كتب فيه صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم قصيدة عظيمة بعنوان «سيرة المجد» كانت تاريخاً مدهشاً لتلك الشخصية العظيمة التي أسّست مجد الإمارات، هذه الدولة التي تزهو بالعقود وهي تُزيّن صدرها، وتختال بين الدول، وتستحق أن تكون بنات الملوك هدية لها تعبيراً عن غلاها وقيمتها الفريدة في قلب سموه ووجدانه النابض بالحب والحياة.
