بما أن الذكريات ترتبط برائحة الأماكن، فإن حاسة التذوق تدق على ذات الوتر.. هكذا كانت تجارب المذاقات في «حتا»، عبر مقاهٍ ومطاعم أكدت في عمق مساعي مؤسسيها على مفهوم «المحلية»، في تجسير لثقافة الطعام التقليدي، مُسدلةً إياه على «سفرة» الضيف في ترجمةٍ لشيم وثقافة أهل الإمارات، وتأكيداً على مفاهيم الأصالة والضيافة العربية التي تتغنى بالكرم قولاً وفعلاً.
«البيان» التقت خلال حملة «شتانا في حتا» بمؤسسي مطاعم من فئة الشباب، بعضها يقدم مفهوم الأكلات الشعبية وأخرى مزجتها مع أطباق عالمية، إسهاماً منهم في سلسلة الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي تصب مخرجاتها في مجمل الحركة الاقتصادية والسياحية بإمارة دبي والإمارات عموماً. أبرز ما لمسناه حقيقةً هو الأولوية الممنوحة لـ«جودة الطعام» والمذاق، وهو ما يمكن قراءته كانتصار للذوق المحلي بعيداً عن مفاهيم الربحية والتجارية.
«تنور» حتا
يدير الإماراتي خليفة المطيوعي مطعم «تنور»، الذي حقق شهرة واسعة ليصل صيته إلى محبي الطعام والذواقة من الإمارات الأخرى، قائلاً: «تنور»، هو مشروع يعرف الزوار بنمط طهي توارثناه من أجدادنا، وهو من المطاعم القليلة التي تمثل ثقافة وهوية متجذرة في مجتمعنا المحلي»، لافتاً بأنه لا يختلف اثنان على أن مشروعه في مدينة حتا الجبلية يسهم في تثقيف زوار «مطعم تنور» حول ثقافة المزارعين وارتباطهم بعنصر مستدام وهي «النخلة»، سيما وأن الطبق الرئيسي الذي لا تكاد أي طاولة في مطعمه تخلو منه إبان فترات الذروة؛ مرتبط بعناصر النخلة، من بداية تحضيره حتى تقديمه، في انعكاس حقيقي لمشروع أقرب ليكون «تجربة تفاعلية حية لمذاق تقليدي وفريد» يسعد الزائر والمقيم. ومن هنا أشار المطيوعي إلى طموحه بأن يلقى ركنه المضياف في حتا المزيد من الدعم من المؤسسات الثقافية، أملاً بتقديم تجربة أشمل وأوسع نطاقاً.
ثقافة طهي
لعل تجربة العميل هي الأصدق في قياس مدى نجاح مشروعه الذي تداول العديد من الأشخاص على المنصات الاجتماعية تجربتهم لمذاقاته الرائعة، وذلك بحسب المطيوعي الذي أثمرت جهوده في سياق إعادة ثقافة المطبخ المحلي وطرق إعداد الأطعمة التقليدية، حيث يعيش رواد مطعمه تجربة تذوق طبق «التنور» الذي يتم إعداده بشكل خاص جداً، إذ يتم وضع اللحم - بعد تتبيله بمكونات وتوابل خاصة ولفّه بأعشاب تقليدية تدعمها أوراق الليمون والمانجو أحياناً- داخل «الخصف» (المصنوع من سعف النخيل)، الذي يدفن أخيراً تحت الرمال بعد إضرام النيران داخل حفرة.. ولنا أن نتخيل الطعم الغني الذي يصدر من طريقة تحضير كهذه، تتطلب وقتاً وحرفية عالية من القائمين عليها، وهو ما يفسر شهرة المطعم ونجاحه الكبيرين.
وجبات تقليدية سريعة
يلاحظ المار على شوارع حتا التي تحفها الطبيعة من كل صوب، عدداً من منافذ البيع المختصة بالطعام، حيث إن وجهة سياحية كحتا غالباً ما يبحث روادها عن أطعمة سريعة تضيف لمتعتهم وأنشطتهم في المكان، ومن هنا التقينا بهزاع علي، مؤسس مشروع «فريج حتا كافيه» المختص بالأطعمة الشعبية التي يمكن وصفها بـ«السريعة».
مشروعه هو الأول في المدينة من حيث تقديم الأطباق التراثية بوتيرة ترقى لرضا المقيم والعابر، إذ استثمر هزاع حاجة الناس في المنطقة لمثل هذه الأكلات الشعبية، في فضاء تطغى على كل أركانه «ثقافة إكرام الضيف»، لتكون السبب الأول لإيجاد منفذ الطعام الذي يتبدى، كما يصفه صاحبه، كخيار أول للكثيرين عندما يتعلق الأمر بالزيارات المفاجئة، في إنقاذ للموقف عبر توفير الجهد والوقت وتخفيف الإحراج على المضيف، موفراً قائمة أطعمة تقليدية لا محدودة، تبدأ من الهريس والثريد وتنتهي عند الباجلة والساقو وغيرها الكثير.
الثيمة «المحلية» في قطاع الأطعمة والضيافة فرضت نفسها، مع توجه كثيرين من أصحاب المشاريع لإضفاء لمسات تطويرية تتعلق بالمنتج وديكور المطاعم نفسها على حد سواء.
فعلى سبيل المثال، أوضح هزاع علي أنه اعتمد خلال أعمال تجديد المطعم على هندسة تقليدية للبيوت الإماراتية، عبر تصميم واجهته بنظام «الوارش» الذي يندرج تحت تصاميم البيوت الصيفية، وهو بحسب ما ذكره المؤرخ والباحث الإماراتي الدكتور حمد بن صراي، تصميم تقليدي ارتبط قديماً بالديكور الخارجي لأعلى البيت، والوارش هو الحاجز الواقع فوق سطوح البيوت. ويمكن الاستشفاف من اهتمام هزاع علي بهندسة تقليدية كهذه، أخذه لمشروعه بمحمل الجد، ليتماهى بشكل حقيقي مع أهدافه في تقديم تجربة متكاملة لنقل موروث وثقافة الطعام لرواد مطعمه.
الدعم الحكومي حاضر وبقوة في مشروع «فريج حتا»، وهي خطوة كان لها الأثر الإيجابي خلال مسيرة هزاع علي في مجال الضيافة والأطعمة التقليدية، التي أكمل فيها مؤخراً عامه الـ 14، وعن ذلك قال: «إن الدعم الذي تلقيته من خلال مؤسسة محمد بن راشد لتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة في بداياتي كان له الفضل الكبير في نموي تجارياً»، لافتاً إلى أن حكومة دبي توصي بشكل خاص بالمشاريع التنموية في حتا، سيما التي يقودها الشباب، وذلك فيما يصب في صالح الجهود النوعية لتطوير حتا اقتصادياً وسياحياً.
وأعرب هزاع علي أن «فريج حتا كافيه» انطلق للتأكيد على مفهوم الضيافة والكرم الإماراتي، عبر أطباق محلية وشعبية تتيح لزوار المنطقة التعرف على طيف واسع من النكهات الفريدة، فضلاً عن توفير نكهات خاصة متاحة للبيع، مثل السمن محلي الصنع الذي يستخدم في معظم أصناف الأكل لديه، ولم يغب عنه بالدرجة الأولى سكان المدينة ممن كانوا في مقدمة زبائنه وشكلوا فئة «الذواقة» من ناحية التحكيم على نجاح أطباقه التقليدية، كما لو أنه أمام لجنة تحكيم فعلية، ما دفعه لتحري جودة المذاق، لتجده حاضراً بشكل يومي للإشراف والوقوف على مشروعه الذي أضحى يصفه كثر بأنه «أكل بيت» وتمت هندسة مكوناته «على الأصول».
«قرية الحجرين»
مطعم قرية الحجرين، في نطاق شريعة حتا بالمنطقة التراثية، أصبح مزاراً سياحياً وبجدارة، أولاً لموقعه المعروف بالقرب من سد حتا، وثانياً لخيارات الطعام المتداخلة بين المذاقات المحلية والعالمية، وذلك بحسب راشد البدواوي صاحب المطعم الذي أسسه عام 2019. تجربة البدواوي كرائد أعمال تنعكس في مسيرة تطور المطعم ليصل اليوم للسمعة التي يحظى بها، إذ يزوره طيف واسع من أهم الشخصيات، ليعثروا خلال زيارتهم المنطقة على ركن مضياف يقدم كافة الأطباق المحلية والعالمية.
الترويج والتسويق هما أهم المقومات التي نصح بها البدواوي أقرانه من أصحاب المشاريع في قطاع الضيافة، قائلاً: «كان لدينا هدف أردنا تحقيقه عبر افتتاح المطعم بأن يكون محطة جذب تليق بالسياح والزوار، مع تقديم تجربة تليق بالمكان»، لافتاً إلى أن دراسته للسوق أكدت بأن المشروع ناجح لا محالة، نظراً لمسألة الطلب (احتياج الزوار لمنافذ طعام عالية المستوى من ناحية المكان وجودة الطعام). وأشار البدواوي إلى خطط التوسع الحالية للمطعم، تحديداً جهة الجلسات الخارجية وهو ما لحظناه من خلال عمليات البناء الجارية على قدم وساق.
تنمية وتوطين
الخطة التنموية التي أطلقتها حكومة دبي لتطوير منطقة حتا، كان لها أثر كبير في دعم مطعم «قرية الحجرين»، وفقاً للبدواوي، زد على ذلك دعم هيئة الثقافة والفنون في دبي «دبي للثقافة» من جهة الموقع، حيث إن المطعم يقع في قرية حتا التراثية.
لقد عززت الخطة التنموية عناصر الحياة في المنطقة، ووفرت العديد من فرص العمل لأبنائها، بحسب البدواوي الذي أشار إلى مساعي الشركة التي تملكها عائلته، ويندرج أسفلها المطعم الخاص به، وذلك جهة «توطين الوظائف»، ونجاحهم حتى الآن في توطين نحو 6 % من الوظائف (بعدد 19 وظيفة خدمية وإدارية يشغل معظمها العنصر النسائي)، معرباً عن طموحهم للوصول إلى نسبة 50 % من الوظائف مستقبلاً.
شذرة وحافز
الشجاعة في قطاع الأعمال والإقرار بجوانب التحسين والمهنية والاحترافية، هي سمة شخصية في البدواوي، الذي أوضح أن التعليقات السلبية التي تعرض لها مشروعه في بداياته كانت هي الشذرة والحافز ليصل للمستوى الذي يفخر به اليوم، مقدماً نصيحة ذهبية لرواد الأعمال في حتا، عبر ضرورة تحري «الصبر» على المدى الطويل بالنسبة لكافة التحديات التي تواجههم، قائلاً: «لدينا مشاريع أكملت عدداً من السنوات دون تحقيق أي نجاح، بيد أن مساعينا أثمرت مثلاً بعد 5 سنوات»، لافتاً إلى المسؤولية الكبيرة التي تقع على عاتق رائد الأعمال في تتبع جوانب الجودة دوماً، والاشتغال على الجانب التسويقي حفاظاً على سمعته في المجال.














