رغم تنامي تداعيات التغيير المناخي والأزمات الاقتصادية العالمية، وتصاعد الخلافات السياسية والحروب في العالم، يشكل مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 28» بدبي لحظة فارقة سمحت لزعماء العالم استغلالها لاستعادة القوة الدافعة للمفاوضات الرامية إلى خفض انبعاثات الغازات، والعمل نحو حاضر لسلام واستدامة الغد، حيث نجح المؤتمر في رسم خريطة طريق آمنة لأجيال الغد.
وشكل «كوب 28»، بارقة أمل على صعيد تعبئة العمل الدولي نحو تحويل الوعود إلى واقع فعلي على الأرض، والوصول إلى توافق دولي لمواجهة الكوارث الناجمة عن التغيرات المناخية، وفي مقدمتها الجفاف والتصحر والفيضانات وحرائق الغابات والأزمات الغذائية والصحية والهجرة غير الشرعية، إضافة إلى العمل من أجل إنهاء الصراعات والحروب وتحقيق السلام العالمي، إذ لم يعمل المؤتمر فقط من أجل احتواء الأحداث المناخية المتطرفة، وإنقاذ البشرية من تداعياتها بالغة الخطورة فحسب، وإنما الحفاظ على الموارد الطبيعية وتنميتها بشكل مستدام باعتبارها حقاً أصيلاً للأجيال القادمة.
استقرار
وثمة علاقة تبادلية واضحة بين تزايد حدة تداعيات تغير المناخ عالمياً، واضطراب الأمن والسلم الدوليين، حيث يتسبب تدهور الظروف المناخية في صراعات تهدد استقرار الشعوب، وكذلك تخلف الحروب والنزاعات السياسية آثاراً كارثية على البيئة وتنشر الأمراض والأوبئة. وبات «كوب28» أول مؤتمر للمناخ يخصص يوماً «للإغاثة والتعافي والسلام»، لتسليط الضوء على الترابط بين التغير المناخي والسلام والأمن الدوليين، ودعوة لتقديم المزيد من التمويل للدول المضطربة، حيث إن الناس الذين يعيشون في مناطق النزاع هم من بين الفئات الأكثر ضعفاً إزاء أزمة تغير المناخ.
ويؤكد مسؤولون، أن النزاعات أسهمت بشكل كبير في زيادة معاناة عدد من السكان في المناطق المضطربة، من خلال تأثيرها على الموارد البيئية عموماً وموارد المياه بشكل خاص، ويقدر العلماء انبعاثات هذه الغازات المسؤولة عن الاحترار المناخي المرتبطة بالنشاطات العسكرية بما يتراوح بين 1% و5% من الانبعاثات العالمية، حسب ما جاء في وثيقة أعدها خبراء عديدون ونشرت مطلع في مجلة «نيتشر» العلمية.
وأشادت ملكة ماليزيا، الحاجة عزيزة أمينة ميمونة إسكندرية، حرم السلطان عبدالله رعاية الدين المصطفى بالله شاه، ملك ماليزيا بجهود الإمارات في «كوب 28» ونجاحها في تحويله إلى منصة عالمية لتحقيق السلام والاستدامة في العالم وتحقيق التوافق، حيث وافق ممثلو الدول المشاركة في المؤتمر على تنفيذ إنشاء صندوق للخسائر طال انتظاره، من شأنه أن يدفع تكاليف الأضرار الناجمة عن العواصف والجفاف بسبب التغير المناخي، ويعد إنجازاً كبيراً من شأنه أن يساعد في تعويض البلدان الضعيفة التي تكافح من أجل مواجهة الخسائر والأضرار الناجمة عن تغير المناخ.
منع نزاعات
وقالت الملكة في تصريحات لـ «البيان»، إن منع النزاعات، هو أكثر الوسائل فعالية في الحد من المعاناة الإنسانية في النزاعات وما يترتب عليها من كلفة اقتصادية هائلة، فضلاً عن عواقبها على المناخ وكل مجالات الحياة.
وأوضحت أن الحروب والصراعات التي تحدث في أجزاء مختلفة من المعمورة، تؤدي إلى تعطيل العمل المناخي، وتفاقم نقص الموارد المرتبطة بمعالجة المناخ، وإعاقة القدرة على تطوير مشاريع استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على البيئة، وتلبية الاحتياجات المتنوعة للسكان في وقت تشتد فيه عواقب تغير المناخ.
وأكدت أن حركة النزوح الكبيرة بمناطق في العالم تؤثر على البيئة المناخية، مشيرة إلى أن البلدان التي تعاني من النزاع هي أقل قدرة على مواجهة تغير المناخ، لأن النزاع يضعف قدرتها على التكيف معه، مما يفاقم العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية القائمة.
من جهته، قال باتريك ماير، رئيس الشؤون الدولية والاتصالات والاستدامة في المملكة المتحدة، عضو مجلس إدارة الإنفاق العالمي للأمم المتحدة في تصريحات لـ «البيان»: «لم تعد قضية تغير المناخ قضية بيئية فقط، فقد تزايد الإدراك العالمي لأهمية تلك القضية وتداعياتها المنعكسة على مختلف الصعد نظراً لتأثيراتها المختلفة، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي والصحي والسياسي والأمني أيضاً، بما يدفع نحو التعامل مع تلك المخاطر باعتبارها قضايا أمنية لما لها من تداعيات قد تهدد الأمن والسلم الدوليين، وتهدد الأمن القومي على مستوى الدول.
مساران متلازمان
وأوضح أن المناخ والسلام العالمي مساران متلازمان، لذلك نجحت الإمارات في هذه القمة في وضع حلول عملية لتفادي العبء الناجم عن تأثير تغير المناخ في الاستقرار، حيث يتسبب تدهور الظروف المناخية في صراعات تهدد استقرار الشعوب، وتخلف الحروب والنزاعات السياسية، آثاراً كارثية في البيئة وتنشر الأمراض والأوبئة.
وأضاف أن المؤتمر نجح في خلق توافق على ضرورة صياغة توجه عالمي فاعل يسهم في الحد من تداعيات تغير المناخ على السلم والأمن الدوليين.
بدوره، قال لويس ميغيل بوينو، المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تصريحات لـ «البيان»: «لا شك في الأثر المتزايد لتغير المناخ والتدهور البيئي في ميادين السلام والأمن والدفاع، أدرجنا هذا المفهوم في تخطيطنا، خصوصاً لبعثات الاتحاد الأوروبي المدنية والعسكرية التي تعمل من أحل دعم الدول الأكثر تضرراً من تداعيات تغير المناخ من خلال تدريبات وبناء القدرات على سبيل المثال».
تعهدات
وتابع: «أما الأمن الغذائي، فالالتزام الأوروبي للتصدي لهذه التحديات واضح، ندعم شركاءنا من خلال مشاريع عدة لتعزيز الإنتاج المحلي ولتحسين النظم الغذائية المحلية، فبين عامي 2020 و2024، يستثمر الاتحاد الأوروبي 18 مليار يورو للأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم، وفي الفترة ما بين 2021-2027 سيدعم الاتحاد الأوروبي الأنظمة الغذائية في حوالي 70 دولة شريكة، كما تعهد الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بتقديم 633 مليون يورو للدعم العاجل وتعزيز النظم الغذائية والقدرة على التكيف في القرن الأفريقي، وبأكثر من 1 مليار يورو لمعالجة الأمن الغذائي في منطقة الساحل». وأضاف: «نحتاج إلى التعجيل على الصعيد العالمي بانتقال النظام الغذائي نحو الاستدامة والمرونة من أجل الاستعداد بشكل أفضل للأزمات المستقبلية. وأضاف: في كوب 28 نهدف إلى زيادة التكيف للحد من ضعف الأعمال التجارية الزراعية، وتعزيز الأمن الغذائي والتغذية، وتعزيز الإدارة المتكاملة للمياه في الزراعة، يتعين علينا صنع تغير في إنتاج الغذائي لكي يكون مستداماً.
إنجاز كبير
من جهته، قال فلاح مصطفى بكري، كبير مستشاري السياسة الخارجية لرئاسة كردستان العراق لـ « البيان»، إن إنشاء صندوق الأضرار في «كوب 28» إنجاز كبير لدولة الإمارات، حيث سيساهم في مساعدة الدول المتأثرة من الأضرار المناخية والبيئية الناجمة عن التطورات الصناعية أو الكوارث البشرية والطبيعية.
وأشار إلى أن القضايا المناخية أضحت موضوع الساعة عالمياً لأنه يهدد أمن الدول بشكل عام، لذا حرص «كوب 28» على التكاتف للحد من الأضرار البيئية ومعالجة هذه المخاطر التي تهدد البشرية، عبر إنشاء وتمويل مثل هذا الصندوق والتبرعات السخية من الدول كافة، لاسيما الدول الصناعية الكبرى المتسببة أكثر في هذه الأضرار.
وأكد أن حشد تمويل صندوق الأضرار بشكل طويل الأجل والوفاء بالالتزامات، يعتبر رهاناً أساسياً من رهانات مكافحة تغير المناخ.
أهمية تكاتف
إلى ذلك، أوضحت الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة المصرية، أن الغازات المنبعثة من المخلفات هي أعلى من مثيلتها الناتجة عن القطاع الصناعي وقطاع الطاقة الذي يضم النقل والكهرباء.
وأكدت أهمية تعزيز التكاتف والتعاون بين الدول والجهات سواء الحكومية أم الخاصة للتصدي لآثار تغير المناخ التي تهدد كوكبنا، مشيرة إلى أن تغير المناخ قضية مشتركة تواجه البشرية جمعاء وتتطلب التعاون بين الدول المتقدمة والنامية للتعامل معها.
وأشارت إلى أن «كوب 28» مهم للغاية، ويمكننا أن نرى من موضوعه أن الجميع يركزون بشكل أكبر على خطط محددة لاقتصاد منخفض الكربون وطاقة منخفضة الكربون في المستقبل، لافتة إلى أن هذا المؤتمر يمثل منصة مهمة تسمح للجميع بمناقشة كيفية حل مشكلات المناخ، من خلال التمويل وكيفية استخلاص استنتاجات أكثر تنوعاً في هذه العملية، لأن قضايا وتحديات تغير المناخ تخص العالم أجمع، فإن دولة واحدة، أو مجموعة واحدة، أو شركة واحدة لا تستطيع حلها، وتتطلب تعاون الجميع، والتعاون وحده هو الذي يأتي بالحلول المناسبة.
كوكب نظيف
من جهته، أوضح وليام باو وزير المياه في أوغندا، أن الحروب والنزاعات تستخدم العديد من المواد الكيميائية ما يؤدي إلى تلوث المياه والتربة والهواء بالمواد السامة، وتنتشر المركبات الناتجة عن المتفجرات (مثل ثلاثي نترو التولوين) والمواد الكيميائية والمواد المشعة والعوامل البيولوجية.
وقال: لا يقف الأمر فقط على تلويث مياه البحر عبر القذائف وعادم السفن وحركتها في المياه، بل تدمر الحرب الحياة البرية والتنوع البيولوجي عن طريق قصف أو حرق أو تسميم الموائل الطبيعية والنظم البيئية، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى التصحر وإفقاد التربة خصوبتها.
وأوضح أن نفايات الحرب قد تبقى لسنوات بعد المعارك، وهي بدورها مواد سامة ضارة بالبيئة والإنسان، مشيراً إلى أن «كوب 28» نجح في شرح القضية وتداعياتها المنعكسة على مختلف الصعد وقد كان هناك توافق على أن الاستدامة والسلام طريقا كوكب نظيف.






