شكلت مبادرات خفض الانبعاثات في القطاع الصناعي لدولة الإمارات محوراً ثابتاً في الخطط المستدامة الرامية إلى بناء منظومة متكاملة، تتيح للمنشآت الصناعية بالدولة المساهمة الفعالة في تحقيق الحياد المناخي، عبر الاعتماد على نهج استباقي، يقوم على مبدأين أساسيين، يتمثلان في تعزيز الاعتماد على حلول الطاقة النظيفة، ورفع معدلات استخدام التكنولوجيا المتقدمة، التي تدعم نمو الصناعات المستدامة الصديقة للبيئة.
وتسريعاً لإدماج هذه الحلول في استراتيجيات المنشآت الصناعية بادرت دولة الإمارات العربية المتحدة، عبر اعتماد الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، التي تشرف وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على تنفيذها، إلى دعم الاستثمار المستدام، وإتاحة المجال أمام القطاع الصناعي، ليمارس دوره الحيوي التنموي، فضلاً عن مساهمته في مواجهة تحدي التغير المناخي.
وكان من أبرز هذه الخطوات الحكومية تشجيع التوجه نحو الصناعات المستقبلية الصديقة للبيئة، بما في ذلك إنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام الطاقة النظيفة والمتجددة، واحتجاز وتخزين الكربون للمساهمة في خفض مسببات تغير المناخ، وتحلية المياه، وتبني حلول التنقل الذكية، كما دعت المنشآت الصناعية إلى وضع خطط، للاستفادة من الحلول التكنولوجية.
بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والروبوتات والبلوك تشين، بالتوازي مع زيادة الإنفاق على البحث والتطوير في الحلول المستدامة إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي، بحلول عام 2031.
وعبر منظومة متكاملة من المبادرات والبرامج والمشاريع الوطنية تعمل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على تعزيز تحقيق الاستدامة في القطاع الصناعي، وزيادة مساهمته في جهود خفض الكربون والوصول للحياد المناخي، ومن هذه المبادرات والبرامج «برنامج التحول التكنولوجي» الداعم لتأسيس 1000 مشروع تكنولوجي.
ومستدام في الدولة بحلول عام 2031، و«برنامج القيمة الوطنية المضافة»، الذي يحفز الشركات على الاستدامة، من خلال استحداث علاوة إضافية، بواقع 5% تضاف إلى تقييم الشركات المنضمة للبرنامج.
كما أطلقت الوزارة حافزاً إضافياً تحت مسمى «القيمة الوطنية المضافة الخضراء Green ICV» للشركات الملتزمة بتطبيق معايير الاستدامة في كامل سلاسل القيمة الخاصة بها، بالإضافة إلى مبادرة «اصنع في الإمارات»، التي تركز على تحفيز الاستثمار المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية إلى القطاع الصناعي الوطني المعتمد على تطبيق أعلى معايير الاستدامة.
انسجام
وتنسجم جهود دولة الإمارات في تطوير قطاع صناعي وطني قائم على التكنولوجيا المتقدمة والبحث والتطوير، لخفض الكربون مع محور «الطريق نحو تحقيق الحياد المناخي»، ضمن حملة «استدامة وطنية»، التي تم إطلاقها مؤخراً تزامناً مع الاستعدادات لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «COP28»، الذي يعقد خلال الفترة من 30 نوفمبر إلى 12 ديسمبر من العام الجاري في مدينة إكسبو دبي.
حيث تحظى الدولة بسجل حافل في مجال الاستدامة، من خلال مبادرات ومشاريع رائدة تعكس القيم الراسخة للحفاظ على البيئة والتقاليد المجتمعية، وغيرها من القيم التراثية الأصيلة.
وتماشياً مع الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة يلتزم القطاع الصناعي في الدولة بمتطلبات خفض الانبعاثات والعمل بشفافية ومسؤولية للمساهمة في تحقيق الحياد المناخي، وتمثل ذلك في إبداء المنشآت الصناعية في الدولة التزامها بمستهدفات برنامج التحول التكنولوجي، ومعايير الاستدامة في كامل سلاسل القيمة، والتي تشرف عليها وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة.
بالإضافة إلى التزامها بمبادرة «تعهد الشركات المسؤولة مناخياً»، التي أطلقتها وزارة التغير المناخي والبيئة، العام الماضي، للحد من آثار التغير المناخي وتقليل الانبعاثات، حيث انضمت للتعهد حتى الآن 106 شركات من مختلف القطاعات في الدولة.
وفي إطار مشاركة وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة في دعم نقل التكنولوجيا والممارسات المتقدمة ومساعدة الصناعة في مجالات خفض التلوث البيئي انضم قطاع المواصفات والتشريعات في الوزارة إلى عضوية اللجنة الفنية الدولية رقم ISO/TC 197 الخاصة بتكنولوجيا الهيدروجين، للاستفادة من التجارب الدولية، والمشاركة في تطوير مواصفات قياسية دولية، إلى جانب الانضمام إلى اللجنة الفنية الدولية ISO/TC 265 لمواصفات احتجاز غاز ثاني أكسيد الكربون، ونقله وتخزينه.
ولتفعيل التواصل البناء بين الجهات المعنية في حكومة دولة الإمارات من جهة، والمنشآت الصناعية العاملة في القطاعين العام والخاص من جهة ثانية، نظمت وزارة التغير المناخي والبيئة 11 حواراً وطنياً من مبادرة الحوار الوطني حول الطموح المناخي، بمشاركة ممثلين عن القطاعين الحكومي والخاص.
حيث أطلقت هذه الاجتماعات عدداً من الحلول لوصول القطاعات المستهدفة إلى المعدلات المطلوبة لخفض الكربون، كما اقترحت 4 مبادرات لخفض الكربون في قطاع صناعة الإسمنت في الدولة، تضمنت مبادرة تقليل الاعتماد على حجر الكلس في إنتاج الإسمنت، والاعتماد على بدائل أخرى صديقة للبيئة.
كما حددت 5 فرص لقطاع البناء والتشييد، بهدف تخفيف آثاره على التغير المناخي، وهي ضمان تبني ممارسات الشراء الأخضر، من خلال اعتماد معايير الشراء، التي تعزز الشراكة مع موردي المنتجات منخفضة الكربون؛ وتحديث أنظمة البناء للمباني الجديدة؛ والعمل على تحديث المباني القائمة، بهدف تحسين كفاءة الطاقة؛ والتركيز على استخدام الطاقة الشمسية الحرارية وأنظمة التبريد الأقل استهلاكاً للطاقة في المناطق السكنية؛ وأخيراً الحد من توليد النفايات، والتشجيع على إعادة تدوير مخلفات البناء والهدم.
«اصنع في الإمارات»
وتعمل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، بالتعاون مع الجهات الاتحادية والمحلية المعنية، على تعزيز النمو الاقتصادي المستدام وتشجيع مبادرات تدعم هذا التوجه، أبرزها إطلاق «اصنع في الإمارات».
وبرنامج التحول التكنولوجي، وبرنامج القيمة الوطنية المضافة، ومبادرات استدامة البنية التحتية للجودة، التي تدعم جاهزية القطاع الصناعي لتبني التكنولوجيا المتقدمة، من خلال المواصفات القياسية والتشريعات الفنية الاستباقية، وتعزيز مكانة علامة «صنّع في الإمارات» والترويج للمنتجات الوطنية وزيادة صادراتها، ووضع آليات تبني حلول الثورة الصناعية الرابعة.
وتسير خطط الوزارة لتطوير القطاع الصناعي في الدولة جنباً إلى جنب مع توفير متطلبات الحياد المناخي، وخفض الانبعاثات في القطاع الصناعي، ويظهر ذلك في الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيا المتقدمة «مشروع 300 مليار»، والتي تستهدف تعزيز نمو وتطور القطاع الصناعي الوطني، وتعزيز تنافسيته، وتبني حلول التكنولوجيا المتقدمة، وتسريع وتيرة التحول الرقمي والتكنولوجي، والترويج لمكانة الإمارات مركزاً إقليمياً وعالمياً للتصنيع والابتكار المستدام.
وفي مجال تحفيز الابتكار وتبني التكنولوجيا المتقدمة في الصناعات الحديثة تعمل وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على تطوير البرنامج الوطني للتحويل الكهربائي للمركبات، حيث تهدف الوزارة إلى التقليل من الانبعاثات الناتجة عن قطاع النقل، وتقليل عدد المركبات العاملة على الوقود الأحفوري المستخدمة على الطرقات، وتحويلها إلى مركبات تعمل على الطاقة الكهربائية.
تكنولوجيا خضراء
ونظمت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة 3 جلسات متخصصة لدعم وتعزيز ريادة الأعمال في مجال التكنولوجيا الخضراء الداعمة لجهود العمل المناخي، وتعزيز شراكة القطاع الخاص في تحقيق الاستدامة، وخفض الانبعاثات الكربونية، وذلك ضمن فعاليات ملتقى «الإمارات لتكنولوجيا المناخ»، الذي عقد في مايو الماضي.
وتحت مظلة برنامج التحول التكنولوجي أطلقت وزارة الصناعة والتكنولوجيا مؤشر التحول التكنولوجي الصناعي، بالتعاون مع دائرة التنمية الاقتصادية- أبوظبي في فبراير الماضي، لدعم الشركات على رفع كفاءتها التشغيلية، وتسريع تحولها الرقمي، وتعزيز مساهمتها في تخفيض الانبعاثات الكربونية، واعتمدت الالتزام بمعايير وبنود المؤشر علاوة إضافية بقيمة 5%، تضاف لتقييم الشركات المنضمة لبرنامج القيمة الوطنية المضافة، كما أطلقت الوزارة ضمن برنامج القيمة الوطنية المضافة حافزاً إضافياً للشركات المنضمة للبرنامج، وهو القيمة الوطنية المضافة الخضراء للشركات الملتزمة بتطبيق معايير الاستدامة في كامل سلاسل القيمة الخاصة بها.
تعاون عالمي
وتسعى دولة الإمارات إلى تعزيز التعاون العالمي وتوحيد الجهود، للوصول إلى حلول ناجعة لقضايا المناخ، وزيادة التأثير الإيجابي للقطاع الصناعي في خفض الانبعاثات، وتقوم بتنظيم العديد من المؤتمرات المتخصصة وإبرام الاتفاقيات، التي تعزز هذا الاتجاه، حيث نظمت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، بالشراكة مع كل من شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك».
وشركة أبوظبي لطاقة المستقبل «مصدر»، ملتقى الإمارات لتكنولوجيا المناخ، بمشاركة 1500 من صناع السياسات، والرؤساء التنفيذيين والخبراء والمختصين وقادة قطاع التكنولوجيا والمستثمرين من حول العالم، وشهد الحدث بحث آلية تعزيز التعاون حول الحلول المبتكرة، لتسريع جهود خفض الانبعاثات في جميع القطاعات.
كما وقعت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة على هامش فعاليات الدورة الثانية من «منتدى اصنع في الإمارات» اتفاقية مع شركة «شاحن»، التابعة لـ NEV Enterprise، المؤسسة البارزة في منطقة الخليج، بهدف إطلاق شراكة استراتيجية تركز على تطوير وصيانة وتشغيل مصنع لمحطات الشحن الخاصة بالمركبات الكهربائية في دولة الإمارات، لتلبية الطلب المتزايد محلياً على البنية التحتية لشحن المركبات الكهربائية.
وتدعم الاتفاقية التزام الدولة بخفض الانبعاثات الكربونية، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في جهود تحقيق الحياد المناخي، حيث تهدف شركة «شاحن» إلى تلبية 40% من الطلب على شحن التيار المباشر في دولة الإمارات بحلول عام 2030.
ووقعت وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة مذكرة تفاهم مع مركز «MEXT» للتكنولوجيا التابع لنقابة صانعي المعادن في تركيا MESS، بهدف تطبيق مؤشر التحول التكنولوجي الصناعي لأول مرة خارج دولة الإمارات، وهو ما ينعكس إيجاباً في رفع تنافسية القطاع الصناعي الدولي، وتسريع جهود خفض الانبعاثات الكربونية، عبر تسخير التقنيات المتقدمة، وتعزيز كفاءتها وإنتاجيتها.
