«حدث تاريخي».. هكذا وصف الرئيس الصيني، شي جين بينغ، أمس، توسع مجموعة «بريكس» لتضم ست دول، توسع من شأنه أن يشكل بداية مرحلة جديدة للتعاون بين دول التكتل التي تسعى لكتابة فصل جديد للاقتصادات النامية من أجل التنمية المشتركة.

من شأن تلك الخطوة المساهمة في إعادة رسم خريطة الاقتصاد العالمي، في ضوء ميلاد جديد لتكتل يحظى بتنوع واسع (في القدرات، والإمكانات، والموارد)، يشكل تحدياً قوياً أمام هيمنة القطب العالمي الأوحد، بما يمكن تكتل «بريكس» الجديد، من أن يمثل نواة لتحقيق التوازن الاقتصادي على الصعيد العالمي.

فيما يتيح انضمام دولة الإمارات، بما تحظى به من ثقل سياسي، واقتصادي، في الإقليم والعالم، إضافة إلى مصر، والسعودية، وكل من إثيوبيا، والأرجنتين وإيران (اعتباراً من يناير المقبل)، آفاقاً أوسع للتكتل ودفعة للدول الأعضاء على صعيد التعاون المشترك والتأثير الإيجابي على الساحة الدولية، لاسيما في ضوء التنوع الواسع بين تلك الدول.

تطورات جيوسياسية

هذا التوسع من خلال وجود دول من القارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا وأمريكا الجنوبية، من شأنه إتاحة فرص واسعة أمام المجموعة الساعية إلى كسر هيمنة الدولار الأمريكي، بحسب مستشار البنك الدولي، محمود عنبر، الذي ينوّه خلال تصريحات لـ«البيان»، إلى أنه في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، ومع ما يمكن وصفه بانقسام العالم إلى تكتلين رئيسين، الولايات المتحدة والغرب من جانب، والجانب الآخر (الشرقي) تقوده روسيا والصين، فإن كل طرف يسعى إلى تقوية أدواته في مواجهة الطرف الآخر.

ويوضح عنبر أن توسع «بريكس» بقيادة روسيا والصين، يشكل بداية إطلاق خطط نحو عملة خاصة، والتبادل التجاري بالعملات المحلية بين الدول الأعضاء، يقلل الاعتماد على الدولار بشكل كبير، الأمر الذي يعني أن المرحلة المقبلة سوف تشهد كثيراً من التطورات في السياق، ويقود إلى تغيير الخرائط الاقتصادية لجهة المنافسة بين أقطاب متعددة بعيداً عن هيمنة القطب الأوحد.

يسهم توسع مجموعة «بريكس» في رفع نسبتها في الاقتصاد العالمي من 25.6 % إلى 29 %، لتصل إلى ما قيمته نحو 29 تريليون دولار. كما يرتفع كذلك عدد سكان دول المجموعة إلى أكثر من ثلاثة مليارات و670 مليون نسمة (نحو نصف سكان العالم)، مقارنة بـ 40 % قبل توسع المجموعة التي كان يبلغ حجم اليابسة الذي تسيطر عليه نحو ربع مساحة اليابسة في العالم، لتصل إلى نحو 32 % بعد انضمام الدول الست لاحقاً.

تأثير

وفي تقدير رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، الدكتور خالد الشافعي، فإن التكتل قادر على أن يحدث فارقاً، وأن يكون له تأثير كبير على التجارة العالمية، كما أن الدول الأعضاء قادرة على استحداث عملة موحدة، وأن تعتمد على التبادل السلعي فيما بينها من خلال العملات المحلية، وبما يؤدي إلى تهديد هيمنة الدولار على التجارة الدولية، وإيجاد آلية أو متنفس جديد لمزيد من التعاون الاقتصادي المثمر والاستثمارات والتبادلات التجارية فيما بين الدول الأعضاء وبعضها البعض.

ويبيّن في تصريحات لـ«البيان»، أنه بوجود الإمارات والسعودية (من أكبر الدول المنتجة للنفط)، وبوجود كل من الصين والهند (من أكبر الدول المستهلكة)؛ فإن ذلك يقود إلى آفاق التبادل بالعملات المحلية بين الدول الأعضاء، وما يتيحه ذلك من فرص لجهة تحقيق الأهداف التي يسعى إليها الكتل، وتقليل الاعتماد على العملة الأمريكية وهيمنتها على الأسواق.

على الجانب الآخر، وفيما يتعلق بمدى استفادة الدول الأعضاء من المشاركة في التكتل، فإن «بريكس» تقدم مزايا واسعة للدول الأعضاء، من بينها ما تتيحه اتفاقية «الاحتياطي الطارئ» من آليات لدعم الدول التي تعاني من شح السيولة بالعملة الصعبة، من خلال مبادلة العملات المحلية بالعملات الصعبة.

يأتي ذلك جنباً إلى جنب مع الفرص الفريدة التي يقدمها بنك التنمية الجديد، الذي تأسس في العام 2014 برأس مال 50 مليار دولار، ويقدم تمويلات تنموية بشروط ميسرة، ويعدُّ منافساً لمؤسسات التمويل الدولية، تابعاً للمجموعة.

فرص واسعة

من جانبه، يلمح مدير مركز «رؤية» للدراسات الاقتصادية، الدكتور بلال شعيب، في تصريحات لـ«البيان»، إلى أن الهدف الرئيس، الذي أنشئت المجموعة لأجله هو القضاء على هيمنة القطب الأوحد، كي تكون هناك تعددية في النظام الدولي، وبالتالي تظل التساؤلات المطروحة على طاولة قادة «بريكس» حول مدى إمكانية مواجهة هيمنة الدولار الأمريكي، واتخاذ خطوات في سبيل إطلاق عملة موحدة، وغير ذلك من القضايا المرتبطة بالأدوات المتاحة أمام التكتل.

ويوضح أن «الدول الخمس الأعضاء في التكتل الآن يتمتعون بمزايا نسبية عديدة، لاسيما فيما يتعلق بالطاقة والحبوب والتكنولوجيا، كما أن روسيا والصين تملكان حق «الفيتو»، وبلدان محوريان في العالم. كما تشغل دول التكتل الآن كثافة سكانية عالية تترجم إلى قوى شرائية واسعة وأسواق لتصريف المنتجات خاصة بالنسبة للدول الصناعية مثل الصين.. وبالتالي بعد توسع المجموعة بإضافة ست دول فإن ذلك من شأنه تعزيز قوة المجموعة وإحداث التوازن الذي تسعى إليه».

وينوّه شعيب إلى أن الدول التي تمت دعوتها للانضمام للمجموعة ضمت محاور مختلفة، في الشرق الأوسط وأفريقيا (بما تحظى به من موارد ومواد خام) وأمريكا الجنوبية، بما يعكس محاولة التكتل لخلق تركيبة متوازنة تحدث الفارق ويكون لها انعكاس اقتصادي.