رسّخت «صناعة التنحيف والعناية بالجمال»، مادة خصبة على مواقع التواصل الاجتماعي لجذب المتابعين، والإيحاء لهم بأن مجرد الالتزام بخلطات غريبة تساعد على حرق دهون الجسم بشكل سريع كفيل بأن يؤمن جسماً رشيقاً، دون الحاجة إلى الرياضة أو الحميات الصحية التي يقرها الأطباء الأخصائيون، وأصبحت الغاية من ذلك لا تتعدى كونها مصائد يقع ضحيتها جمهور المتابعين للوصول إلى «تريندات» لحصد «اللايكات» لا أكثر، من دون النظر إلى فحوى المعروض ومدى الضرر الذي قد يسببه لمن يلتزم به.

أكد أطباء وأخصائيون، لـ«البيان»، أن الكثير من الأشخاص يسعون إلى خسارة أوزانهم بطريقة سريعة، لكن هذه اللهفة لفقدان الوزن عادة ما تكون نتائجها عكسية، وتقود الأفراد للوقوع ضحية حميات ليس لها أي أساس علمي، لينتهي الأمر بهؤلاء إلى الحصول على نتائج تؤثر سلباً في صحتهم الجسدية والنفسية، ولعل أبرز ما يسهم في هذا التوجه الخاطئ، هو اتباع الأفراد للحميات الغذائية المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تعتمد على أي قواعد علمية، بل فقط على قصص فردية.
ومن ضمن هذه الطرق، خلط القهوة بالملح، أو مشروب مغلي الليمون مع بذور الكمون، أو تناول منقوع الليمون وزيت الزيتون والثوم ومسحوق الكزبرة على الريق صباحاً، أو خليط الزنجبيل والقرفة، وغيرها الكثير وكلها تدعي تدمير دهون الجسم وفقدان من الكثير من الكيلوغرامات خلال أيام قليلة جداً.
لا أدلة
وتقول د. خولة الحجاج، استشارية طب أسرة في دبي: لا توجد أدلة علمية تدعم فكرة أن إضافة القهوة إلى الليمون تساعد على فقدان الوزن، إلا أنه قد يكون للقهوة بعض الفوائد المحتملة لزيادة الطاقة قصيرة الأجل، وهنالك دراسات قليلة لتأثير القهوة السوداء على فقدان الوزن ولكن لم يتم دراسة القهوة كعامل واحد بل كان هناك عدة عوامل مكتملة مثل نوعية حبوب القهوة وممارسة الرياضة البدنية وكلها عوامل تساعد في فقدان الوزن.
وأضافت على الرغم من أن الليمون يحتوي على فيتامين C ومضادات الأكسدة، إلا أنه لا يوجد دليل علمي واضح على أن مزجه بالقهوة يساعد بشكل مباشر في فقدان الوزن، بينما قد يتسبب عصير الليمون في بعض الحالات بحرقة في المعدة نظراً لارتفاع مستويات حمض الستريك فيه، خاصة إذا كان الشخص الذي يتناوله يعاني من ارتجاع في المريء، فضلاً عن تأثير هذا الحمض السلبي على مينا الأسنان مع مرور الوقت وتناوله بكميات كبيرة، كما أن إضافته إلى القهوة سيفسد طعمها ويمنع الاستمتاع بمذاقها.
ونصحت د. الحجاج الراغبين في فقدان الوزن، بضرورة التركيز على نظام غذائي متوازن ومتنوع يشمل مجموعة من الأطعمة الصحية والمغذية، وتحتوي على جميع العناصر المهمة بالإضافة إلى ممارسة النشاط البدني بانتظام.
وحذرت اللاهثين وراء النحافة السريعة من الانجراف وراء محتويات وسائل التواصل الاجتماعي لاسيما عندما يتعلق الأمر بصحة الفرد، مؤكدة على ضرورة استقاء المعلومات الطبية والصحية من مصادرها الموثوقة من أصحاب الاختصاص في هذا المجال، وأخذ المشورة الملائمة لكل حالة على حدة.

خلطات مؤذية
وتقول د.روان الأشقر، أخصائية تغذية سريرية، بمستشفى ميدكير، إن هذه الخلطات ليست آمنة، لأنها قد تحتوي على مكونات قد تلحق ضرراً بالمعدة دون علم الأشخاص بذلك، وذكرت على سبيل المثال خلطة الخل مع الليمون قد تؤذي المعدة، مشيرة إلى هذه الطرق لا تعدو أن تكون مجرد وسائل لكسب اللايكات والمتابعين ليس إلا. وشددت الأشقر على ضرورة التقنين والرقابة على نشر مثل هذه الطرق والخلطات التي تتعلق بالصحة العامة أو المشكلات الصحية عبر وسائل التواصل الاجتماعي إذ إن كل حالة يجب معالجتها على حدة وبما يتلاءم معها موضحة لا يمكن تعميم استخدام خلطة معينة على مختلف الأشخاص بشكل عشوائي. وأكدت الأشقر على أهمية استشارة أخصائي التغذية الذي يمكنه أن يجري فحوصاً خاصة بحالة كل شخص ويقرر بناء على تلك الفحوص الخلطات الأنسب لهم.

وصفات مفيدة
أما د. ديفيا مانغال، أخصائية طب الأسرة، بمركز «لايف» الطبي، فتشير إلى أن الحميات الغذائية التي يتم وصفها للراغبين في إنقاص وزنهم من قبل طبيب مختص تكون مفيدة لاحتوائها على مكونات غذائية تفيد في عملية الهضم وبالتالي تحسين امتصاص العناصر الغذائية وتخفيف بعض الأمراض المتعلقة بالأمعاء، أما إذا تم استخدامها من دون إشراف طبي أو معرفة دقيقة بالأغذية ومحتوياتها، قد تسبب أضرار بالجهاز الهضمي مثل الانتفاخ، وحموضة المعدة والإمساك أو حتى سوء الامتصاص أو تقليل امتصاص الغذاء.
وأضافت أن استخدام خلطات معينة من الأغذية لفترة طويلة من دون استشارة طبية، قد يؤدي إلى نتائج سلبية على الصحة ، وذكرت على سبيل المثال، أن استهلاك البروتين مع النشويات أو الفواكه معاً لفترات طويلة قد يؤدي إلى سوء امتصاص العناصر الغذائية وأمراض أخرى معوية. وأكدت أن عملية إنقاص الوزن تعتمد فسيولوجياً على تقليل عدد السعرات الحرارية، وليس على نمط معين للأكل أو خلطات غذائية معينة، ونصحت الراغبين بإنقاص وزنهم، بالمحافظة على تقليل عدد السعرات الحرارية، عوضاً عن تناول خلطات غير مثبتة علمياً.
دور كبير
بدورهم، أكد عدد من الأخصائيين النفسيين أن لمواقع التواصل دوراً كبيراً وراء هوس الكثيرين في الحصول على الشكل والجسم النموذجي، حيث تؤدي الإعلانات ومؤثرو التواصل الاجتماعي الذين يروجون لخلطات التنحيف، دوراً رئيسياً في تحديد معايير الجمال العالمية، وكذلك المقاييس المثالية للقوام والوجه التي باتت هاجساً يستحوذ على عقول مختلف الفئات العمرية. وشددوا أن السبب وراء اتباع هؤلاء يعود إلى دواعٍ نفسية مثل انعدام الثقة بالنفس المرتبط باضطراب تشوه شكل الجسد التي تقود الشخص للتعويض عن ثقته بنفسه.
اضطرابات نفسية
ويرى جاسم المرزوقي استشاري العلاج النفسي في دبي، أن هوس التنحيف والوصول إلى الجسم المثالي، لم يعد يقتصر على النساء فحسب وإنما طال الرجال والمراهقين، وهو ناتج عن اضطرابات نفسية بسبب متابعتهم لمشاهير مواقع التواصل الاجتماعي الذين يحاولون الظهور باستمرار بالشكل المثالي بعد إجرائهم عمليات تجميل أو حتى عبر استخدامهم لمواد تجعلهم يبدون في أبهى صورة وأمثل جسم موضحاً أن التوتر يقود للإفراط في تناول الطعام.
وقال إنه كثيراً ما تتخوف الفتيات والنساء اللاتي يعملن على خفض وزنهن عبر نهج نظام الحمية الغذائية من ارتفاع وزنهن مرة أخرى مما قد يصيبهن بمرض فقدان الشهية العصبي، الذي قد يدخلها في نوبة اكتئاب أو إصابتها بمرض القي القسري.
3 أسباب
من جهته، يشرح الدكتور محمد علي النجفي أخصائي نفسي الأسباب النفسية التي تعيق عملية فقدان الوزن، قائلاً إنها تتمثل في 3 أسباب رئيسة وهي: صورة الجسم السلبية، والإصابة بالاكتئاب، والإجهاد والتوتر. وقال إن البعض يقيسون قيمتهم الذاتية وفقاً لوزن أجسامهم، ويعتقدون أنها تتحدد بحسب الجسم أو الشكل أو الحجم، مشيراً إلى أن صورة الجسم السلبية قد تؤدي دون وعي إلى أنماط أكل غير صحية وأمراض جسدية أخرى.
وأضاف أن الأشخاص الذين يواجهون الكثير من التوتر والإجهاد أثناء محاولتهم إنقاص الوزن، قد لا يرون تغييراً في أوزانهم على الرغم من بذل قصارى جهدهم والسبب إنتاج الجسم مزيد من الكورتيزول الذي يساعد في زيادة الوزن، كما أن التوتر يؤدي أيضاً إلى الإفراط في تناول الطعام لأنه أفضل طريقة لتهدئة المشاعر. وأوضح أن الاكتئاب يؤدي إلى الكثير من المشكلات ليس فقط نفسياً ولكن جسدياً، حيث إن الشعور بالوزن الزائد يجعل الشخص متوتراً من الناحية الفسيولوجية.
نظام صارم
أما ناعمة الشامسي استشارية نفسية، فتقول إن الأسباب التي تجعل الكثير من الفتيات والنساء وحتى الرجال يسعون وراء الجمال والنحافة المفرطة، ناتجة عن اضطرابات نفسية تجعلهم يتبعون نظاماً صارماً لتخفيض الوزن ويتناولون المكملات الغذائية. وأشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي التي تضخ باستمرار صورا للفتيات والنساء والرجال بالشكل النموذجي في الجمال يمكنها السيطرة على العقول دون شعور وتجعلهم ينساقون وراء خلطات الجمال والتنحيف السريع للوصول لهذا الشكل النموذجي.
مصدر ممتاز
إلى ذلك أكد د. عبدالله الهاجري استشاري أمراض القلب أن هناك 7 طرق لإنقاص الوزن بسرعة وأمان وهي: تناول الخضراوات، الحرص على تناول وجبة الفطور على أن تتضمن على الأقل 400 سعرة حرارية ومصدر للبروتين الخالي من الدهون وألياف، شرب الشاي أو القهوة، حيث يعتبر الكافيين مدراً طبيعياً للبول ويمكن أن يقلل الانتفاخ، ومصدراً ممتازاً لمضادات الأكسدة التي تحمي الخلايا من التلف.
وأضاف: الابتعاد عن المشروبات السكرية، ممارسة الرياضة بانتظام لبناء الأنسجة العضلية وحرق المزيد من السعرات الحرارية، تناول الأطعمة الغنية بالتوابل بشكل متوازن حيث تسرع من قدرة الجسم على حرق السعرات الحرارية، وأخيراً النوم مبكراً ولمدة كافية.

«المواء» وشد الفك
يقول د. مجدي عبدالعزيز استشاري حالات حرجة إن الجميع يسعى للظهور بأفضل إطلالة، لذلك يبحثون عن شتى السبل الممكنة التي تساعدهم على تحقيق ذلك، ويبتكرون طرقاً مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي، تساعدهم على تحقيق أهدافهم، ولعل أحدث اتجاه منتشر على تطبيق «التيك توك»، هو المسمى «المواء»، الذي يهدف إلى شد الفك للحصول على وجه منحوت، مشيراً إلى أن هذا الاتجاه اتبعه العديد من مشاهير النساء، أبرزهن عارضة الأزياء بيلا حديد.
وأضاف أن «المواء» يعتمد على وضع اللسان بحيث يلامس سقف الفم، بغرض تغيير ملامح الوجه، لا سيما خط الفك، حيث تنفذ الطريقة باتخاذ الشخص للوضع الصحيح مع عودة الأكتاف والظهر بشكل مستقيم، ثم الضغط باللسان على سقف الفم أو الابتسام أولاً ثم البلع.
وحول صحة هذه الطريقة، يشير عبدالعزيز إلى أنها يمكنها المساعدة على التنفس بشكل أفضل، لكن لا يوجد أي بحث علمي يؤكد فعالية هذه الطريقة.

