شكّل البحر في ثقافة أبناء الإمارات واحداً من أعزّ الأصدقاء والجيران، لارتباطه الوثيق بحقبة تاريخية كان فيها المورد الوحيد للرزق والصيد والتجارة.
كما ترك لدى الكثيرين عشقاً كبيراً، تجاوز مجرد الرزق إلى الذكريات الأثيرة في النفوس، لا سيما فيمن كبروا بجواره، ولديهم عدة أسباب، ومن ضمنها عشق وسائل الصيد، والتي لا يزالون يحافظون عليها، ورغم وفرة الوسائل الحديثة، تبقى تلك المتوارثة المفضلة لديهم.
ولذلك لا تزال متوفرة، ولا يزال البعض تستهويه فكرة التعاطي معها ليستعيد مع تلك اللحظات، كل ما له علاقة بماضيه مع البحر، سواء للصيد أو تصنيع تلك الأدوات، ومن بين هؤلاء النوخذة عبيد عبدالرحمن سيف الكعبي من منطقة مربح بإمارة الفجيرة.
وكانت بداية تلك العلاقة بسبب مجاورة البحر، وأيضاً لأن الآباء أكثر حرصاً على نقل تراث الأجداد للأبناء، وهو يرى أن تلك الأدوات لا يمكن التخلي عنها مهما تطورت أوجه الحياة.
حرص
يقول النوخذة عبيد الكعبي: إن والده كان حريصاً على أن يكبر في داخله حب البحر والصيد، والتعلق بأدوات الصيد، وما له علاقة بالبحر، وقد التحق بالبحر من عمر سبعة عشر عاماً، وكانت شباك الصيد الحديثة غير متوفرة، ولذلك كان الأهالي يصنعونها بأنفسهم، بما يعرف بـ «الطراق»، وهي غزل الخيوط الطبيعية، ولكل نوع من أنواع السمك خيوط خاصة، وفتحات بأحجام تخص الحجم والنوع..
ومثال على ذلك، فإن الأسماك الصغيرة التي يطلق عليها «البريه»، وهي أصغر حجماً من كل الأسماك، لها فتحات عيون في الشبكة، بحيث تحبسها عن الخروج عندما تدخل، وللأنواع الكبيرة أيضاً أحجام أخرى، وتأتي أهميتها في الوقت والجهد الذي يبذل لتصنيعها، والنوخذة هو صاحب المال، وهو القبطان الذي يشرف على البحارة عند الصيد، أو عند سفن السفر للغوص أو للسفر التجاري.
أصدقاء البحر
يكمل الكعبي: الخيوط تغزل وتحاك لتصبح مثل الحبل، ومن هذا الخيط يتم تصنيع وسائل الصيد، وهي الشباك، ويقول الكعبي إن تلك الشباك تتعرض للتلف، وتتقطع خيوطها، ولذلك يجتمع الرجل مع أصدقاء البحر ذوي الخبرة، ليتم ترقيع الشباك بأسلوب الحبك، كي يعاد استخدامها مئات المرات، وتبقى قوية.
ومن كونها متوارثة تأتي أهميتها، رغم دخول الشباك المصنوعة في المصانع، وهي ذات نفع كبير أيضاً، وأن على الأجيال أن تتعلم حب كل ما هو تراثي لأجل أن يبقى.
كما حافظ الأجداد والآباء على ذلك، خاصة أن الدولة تتجه نحو المزيد من التطور، بالتوازي مع الحفاظ على مكتسباتها، والحث على استدامتها.تلك الشباك منها الليخ للأسماك ذات الحجم الكبير، مثل «القباب والكنعد»، وهما نوعان من الشباك، ولم تكن المركبات متوفرة بحيث تسهم في عمليات الصيد.
وذلك عن طريق جر الشباك لخارج البحر، ولم تكن سفن الصيد من «الفيبرجلاس»، بل كانت خشبية، وشباك الصيد ربما تحتاج إلى ما يزيد على عشرة أشخاص للتعامل معها، وربما يصل عدد الأشخاص إلى 20 شخصاً، وهكذا حال الصيد بالقرقور، وهي أقفاص الصيد التي لم تكن تصنع قديماً إلا من سيقان سعف النخيل، وهي آمنة ومستدامة.
وفي ما بعد دخلت الأسلاك التي يتم صنع القراقير منها، وتبقى بها الأسماك في البحر، حتى يدخل النوخذة مع رجاله لسحبها من أعماق البحر، وكانت القرعة المجففة من ثمرة القرع، هي العلم أو الإشارة على صاحبها، وحتى الأدوات القديمة يأتي لنا أشخاص من خارج الدولة كي يتعلموا منا كيف كنا وما زالنا نصنع تلك الشباك وتلك الأدوات.
