شهد الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الداخلية، يوم أول من أمس (الثلاثاء)، ثالث المحاضرات الرمضانية لمجلس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، والتي قدمها البروفيسور ديفيد سنكلير، المتخصص في علم الوراثة بكلية الطب بجامعة هارفارد، ومدير مشارك لمركز (بول ف. غلين) للأبحاث بيولوجيا الشيخوخة، تحت عنوان «الشيخوخة.. أسبابها وإمكانية الوقاية منها»، بحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، وعدد من الشيوخ والوزراء وكبار المسؤولين في القطاع الصحي بالدولة.

محاور

وتضمنت المحاضرة، التي أدارها الدكتور محمد سالم العامري، الحاصل على شهادة الدكتوراه في علم الوراثة اللا جينية لتشخيص سرطان الدم لدى الأطفال، خمسة محاور رئيسة، شملت «أسباب التقدم في العمر، كيفية معرفة العمر البيولوجي، قابلية الشفاء من الشيخوخة، آلية التحكم في عملية الشيخوخة، كم سيكون عمر الإنسان في المستقبل».

وأكد المحاضر أن دولة الإمارات، حققت بفضل رؤية قيادتها الرشيدة، العديد من الإنجازات الطبية العملاقة خلال السنوات الأخيرة، والتي تشكل مصدر إلهام لكافة دول العالم، لابتكار آليات متقدمة في استشراف مستقبل الخدمات الصحية، وتوظيف تكنولوجيا البيانات لتحسين جودة الحياة، والتي كان أخرها إطلاق برنامج «الجينوم الإماراتي»، الذي يستهدف تحسين خدمات الرعاية الصحية المقدمة، وتعزيز مكانة الدولة كمركز للبحث والابتكار في مجال علم الجينوم.

وأوضح أن دولة الإمارات اليوم، مؤهّلة لأن تصبح أول دولة على مستوى العالم، تتمكن من الوصول إلى حلول طبية تسهم في تأخير بلوغ مواطنيها سن الشيخوخة، وبالتالي زيادة الفترة العمرية لنشاط مواطنيها وإطالتها لسنوات عديده، كونها تعد الأكثر تقدماً وريادة عالمياً في مجال تطوير تكنولوجيا الجينوم.

وكشف العالم الأمريكي، أن هناك محادثات تجرى حالياً بين مركزه البحثي وعدد من المؤسسات الإماراتية الرائدة في البحوث العلمية والطبية، لأن تصبح دولة الإمارات مركزاً عالمياً في مجال إعادة البصر وعلاجه، لافتاً في الوقت نفسه بأن دولة الإمارات تمتلك قيادات قادرة على التغيير والتطوير بجانب توافر كوادر علمية رائعة يمكن العمل معها لخدمة الإنسانية.

ضبط

وأكد سنكلير أنه إذا كان من الممكن بالفعل إعادة ضبط البرنامج الذي يتسبب في تقدم البشر في السن، فقد يكون علاج الشيخوخة أسهل مما يعتقد الكثيرون، بل إنه قد يكون أسهل من علاج السرطان، ومن المحتمل جداً أن يكون أول شخص سيعيش حتى 150 عاماً قد وُلد بالفعل، حسب قوله، لافتاً إلى أن الطريقة التي يعيش بها الإنسان لها تأثير كبير على سرعة أو إبطاء علامات الشيخوخة التي تشبه الخدوش الموجودة على القرص المضغوط، ومن ثم يمكن أن يؤدي القيام بالأشياء بشكل صحيح إلى إبطاء عملية الشيخوخة بشكل كبير.

وبدأت المحاضرة، بعرض فيديو تسجيلي، استعرض وتطرق إلى أهم الخطوات والمبادرات التي أقرتها دولة الإمارات العربية المتحدة في مجالات تطوير الخدمات الطبية والعلوم الوراثية، والأهداف الاستراتيجية لبرنامج «الجينوم الإماراتي»، والخطط المستقبلية التي وضعتها الدولة لتعزيز منظومتها الصحية.

وبدأ سنكلير محاضرته بالتأكيد على أهمية تغيير طريقة تفكير البشر بشأن الشيخوخة بشكل جذري، من خلال التعامل معها كمرض يمكن علاجه والشفاء منه، بدلاً من اعتبارها مظهراً شائعاً وطبيعياً من علامات التقدم في العمر، مشدداً على أن البحوث العلمية أثبتت أن الشيخوخة تعد المسبّب الرئيس لأمراض كثيرة، وتؤدي إلى وفاة نحو 150 ألف شخص سنوياً على مستوى العالم.

علاج

وقال: «الشيخوخة ليست حتمية، بل هي حالة مرضية قابلة للعلاج، ولا يوجد قانون في علم الأحياء ينص على أنه يجب علينا التقدم في السن بهذه الوتيرة، ومن ثم يمكننا أن نحرز تقدماً في عملية إبطاء الشيخوخة، وهي نظرية بات عدد العلماء الذين يؤمنون بها في تزايد مستمر، لأنهم أصبحوا أكثر قدرة على فهم سبب تقدمنا في السن وكيفية تأخير الشيخوخة»، مؤكداً أن دولة الإمارات مؤهّلة لأن تصبح أول بلد يستطيع تأخير شيخوخة مواطنيه وتجني المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، كونها تعد الأكثر تقدماً، ولديها مشروع عملاق ورائد يسمى بالجينوم الإماراتي يمكننا أن نتعاون معه في تطوير التكنولوجيا الجينومية عالمياً.

وأضاف: «يمكننا من خلال التغيير الجذري في منظورنا للشيخوخة، العمل على زيادة متوسط العمر المتوقع للإنسان بشكل كبير، إذ توصلت وفريقي البحثي على مدار السنوات الماضية، إلى أن أهم الأسباب المؤدية للشيخوخة هي فقدان المعلومات، فالإنسان لديه نوعان من المعلومات في الجسم يرثهما من والديه، ويتأثران بالبيئة والوقت، الأول هو المعلومات الرقمية (الشفرة الجينية)، بينما الثاني هو المعلومات التناظرية (الإبيجينوم)، أو الشفرة التي تحيط بالمادة الوراثية في الجينوم، وتتحكم في تشغيل وتوقف الجينات عن العمل، والذي يبدأ في فقدان المعلومات بمرور العمر، كما يحدث للأقراص المدمجة بسبب الخدوش، ومن ثم تفقد الخلايا القدرة على تشغيل الجينات الصحيحة في الوقت المناسب، بما يفقدها دورها أو وظائفها».

نتائج

وتابع: «أكبر اكتشاف توصّل إليه مختبرنا، هو أن الإنسان لديه نسخة احتياطية من المعلومات في كل خلية بشرية، ومن خلال تشغيل ثلاث خلايا جنينية، تسمى O و S و K، تمكّن فريق (سنكلير) من إعادة عمر الأنسجة للوراء بنسبة 75٪ في غضون 6 أسابيع، ما يعني أنه قد يمكننا في المستقبل معالجة شخص طاعن بالسن وإعادته لحالة الشباب من خلال إعادة برمجته والاستعانة بنسخ المعلومات الاحتياطية في خلاياه»، منوهاً إلى أن المختبر سيعلن قريباً عن نتائج الأبحاث على بعض الحيوانات الأخرى مثل الشمبانزي والليمور.

وأوضح أنه تمكن وفريقه البحثي في مختبر سنكلير من إثبات أن الإبيجينوم قابلاً للتغيير، من خلال إجراء تجارب على الفئران نجحوا عبرها في تسريع الشيخوخة وعكس مسارها في الحيوان نفسه، كما أدى عكس عقارب الساعة اللاجينية في الأعصاب البصرية للفئران المسنّة العمياء إلى استعادتها البصر تماماً، قائلاً: «إذا كان من الممكن إعادة شيء معقّد مثل شبكية العين إلى حالة الشباب، ربما عدة مرات، فلا شك أننا سوف نستطيع إعادة أجهزة حيوية أخرى كثيرة إلى شبابها، ولكي نكون واضحين، هناك مسافة كبيرة لا بد من قطعها بين ما يمكن فعله مع الفئران في المختبر وما يمكن فعله لمساعدة البشر على محاربة الأمراض وإطالة سنوات عمرهم الصحية».

تجارب

وذكر سنكلير، أن الأبحاث التي أجريت على حيوانات مثل الفئران وعلى أشخاص أيضاً، أثبتت أن الشيخوخة يمكن أن تحدث بمعدلات مختلفة جداً وفقاً لنوع أو نمط الحياة، وأن أكثر من 80% من صحة الإنسان المستقبلية تعتمد على طريقة العيش وليس على الحمض النووي، موضحاً أن هناك أشياء اكتشفها العلماء من خلال مراقبة الأشخاص الذين يعيشون لفترات طويلة، تتضمن تناول الأنواع الصحيحة من الطعام، وتناول سعرات حرارية أقل، وتناول كميات أقل من الطعام، بالإضافة إلى التمارين البدنية التي تعد عاملاً مساعداً أيضاً.

وقال: «يجب أن يكون هدف كلّ منا الآن هو البقاء على قيد الحياة حتى ظهور تقنيات عكس مسار العمر، وأفضل طريقة هي وضع الجسم في حالة مشقة متصورة، عن طريق تناول كميات أقل من الطعام، وتناول الأطعمة المناسبة، وممارسة الرياضة، وتناول المكملات والأدوية التي ثبت أنها تؤخر آثار الشيخوخة»، مشدداً على أن الصيام أحد أهم العوامل المساعدة على إبطاء الشيخوخة.

مسيرة

نادل ديفيد سنكلير على الدكتوراه من جامعة نيو ساوث ويلز، وخلال أبحاثه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا شارك في اكتشاف سبب شيخوخة الخميرة ودور بروتين (SIR2) في التغيرات اللاجينية.

وكان مختبره أول من حدد دور التخليق الحيوي للأنزيم المساعد NAD في التحكم في معدل العمر وأظهر لأول مرة دور «السرتوينات» في تقليل السعرات الحرارية في الثدييات.

ألف ديفيد سنكلير، كتاب «العمر المديد» ونشر أكثر من 200 مقالة علمية، وشارك في تأسيس شركات تكنولوجيا حيوية في مجالات الشيخوخة واللقاحات والسكري والأمراض المعدية والمناعة والسرطان.

كما حصل على 35 تكريماً، بما في ذلك الميدالية الأسترالية للبحوث الطبية، وجائزة الرواد لمدير المعهد الوطني الصحي، وصنفته مجلة تايم من بين المئة شخص الأكثر تأثيراً في العام.