كثيرة هي السمات الفريدة والثيمات التي تنطوي عليها أشعار المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، إذ طالما مثّلت إبداعاته صورة صادقة وشفيفة لشخصيته، وهو الوطني النبيل، الذي التزم مخلصاً بقضايا المجتمع، وبقي مسكوناً بحب المكان والوفاء لأهله، والتعلق بمفردات البيئة.

ويتبدى للمبحر والمتعمق في قصائد مؤسس دولة الإمارات، مدى ارتباطه، رحمه الله، بالطبيعة والبيئة والمكان، إذ تنعكس شتى عناصرها في قصائده، مثل: الأمطار والرياح والصحراء. وأيضاً تحضر في روائعه الشعرية مسميات الأماكن، كما نجد فيها شذرات حكمته، وملامح حرصه على تعزيز قيم وعادات وتقاليد المجتمع الإماراتي الأصيلة، وذلك بلهجة سلسة ومحببة، فاستمرت ترددها الألسن، وتغنيها الحناجر، وكذا لا تزال تُتداول كحكم وأمثال.

حكمة وسياسة

«البيان» التقت مجموعة من الشعراء والأدباء الإماراتيين، للحديث حول المعاني الحكيمة، وتجليات حب الوطن والإخلاص للمكان وأهله، من خلال قصائد مؤسس الدولة، المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وغناها بالقيم والجماليات ومعاني الخير.. وفي حديثه حول ذلك، قال الشاعر راشد شرار: من الصعب أن نبدأ الحديث عن المغفور له باني دولة الإمارات، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وننهيه بسرعة، لأنه تفرد في حكمه وسياسته وأخلاقه وأشعاره، فهو القائد الذي أحبته الشعوب كلها على وجه الأرض، من عرب وغير عرب. وأصبح مثالاً في كل شيء. ويكفي أنه جمع سبعة حكام على كلمة واحدة، وتشكلت على يديه دولة الإمارات العربية المتحدة. وقد كان الاتحاد أمراً محالاً، إلا أنه حقق الحلم، وأنشأ إماراتنا الحبيبة، وخاطب شعبه كأب، ليس كحاكم، ودخل قلوبهم بحبه وشعره، الذي يعكس شخصيته، فعندما نقرأ قصائده نرى فيها نفسه، خصوصاً عندما قال:

الله عطانا خير وأنعام

والحمد له واجب علينا

ياللي عطانا إيمان والهام

ومن فضله الظافي عطينا

هنا ندرك أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان نعمة من الله أهداها لهذا الوطن، وهو يحمد الله على النعم الكثيرة والخيرات. وعندما نقرأ قصيدته.

ناسٍ طيّب نباهم

ولهم ذوق وحلاه

لي في الحشا سكناهم

ما لي عنهم سلاه

هنا نعرف أنه يعني من يوده، ولكننا نشعر أنه يعني كل فرد في هذه الدولة، التي احتضن كل شعبها في قلبه، احتضان الوالد لأبنائه. وفي قصيدته التي قال فيها:

مرفوض عذرٍ من جداكم

ومحال نفسي صوبك ترد

هذا جوابي اليوم ياكم

والباب عنكم غلج وانسد

وهذا هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، القائد الحازم الحاسم، الواضح والصريح، عندما يتخذ موقفاً متحفظاً من أي شيء، يباشر بإغلاق الأبواب دونه، ودون ما رفض من سلبية أو اختلال، حتى لا تتسلل السلبية إلى النفس والحياة، فهو في النهاية قائد نهجه الإيجابية.

وفي قصيدته التي يقول فيها:

والقانص له سجيه

ويصبر على الامحان

ولا بد له من ضيّه

يلفي بها فرحان

هنا، كما عرفناه، يحث دائماً على اقتناص الفرص، ولا يخشى من الصعاب التي سيواجهها، لأنه في النهاية سيكون قد حقق مراده، ونال بغيته، وأصبح مسروراً.

هناك الكثير من القصائد للمغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، تلامس الوجدان. وقد تكون في ظاهرها غزلية، ولكنها تعطي للمتعمق فيها إيحاء نحو اتجاهات أخرى، فهو فارس عربي، وحاكم حكيم عادل محب.وفي قصيدته التي يقول فيها:

مثل العسل منطق لسانك

ذربٍ وموزون بموازين

والطيب من أصلك وذاتك

واضح ولا يحتاج تبيين

حقيقة، تبدو هذه الأبيات وكأنها أبيات كتبها لنفسه عن ذاته، فهو لا يتكلم إلا بالحق. وهذا أمر يضاف إلى حديثه الدائب عن الألفة والمحبة والتعاون والكرم والتسامح والتعاطف والتآخي.

بهذه الخصال، أصبح المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، متفرداً في وجدانه القيادي والشعري.

وعندما يخاطب المغفور له من أحبه، يخاطبه بلغة فريدة، لا يستطيع أي قلب إلا أن يستجيب لها، فقد اتصف المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، بذكاء مختلف، لماح، مجبول بالمعرفة والخبرة. وهو بهذا، يعرف كيف يصل إلى هدفه بأسلوبه، سواء كان حديثاً أو عملاً أو شعراً. وتشهد على ذلك هذه الأبيات:

قاصد جداكم حافي

يا حلوين المشم

ولكم ضمير صافي

ولغيركم ما يضم

تصوروا هنا، حينما يقول المحب لمحبوبه إنني أسير نحوكم حافي القدمين، ولي قلب لا يسع غيركم. في أشعار المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، تتجلى أسمى المعاني، وتتبلور صور جميلة للوطن، ولمن يسكنه.

الشعر العربي

وفي السياق نفسه، قال الشاعر عبد الله محمد السبب: مثل كل شعراء الكلاسيكية العربية الفصيحة والعامية على السواء، خاض الشاعر المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيّب الله ثراه»، معظم، إن لم تكن جميع، أغراض الشعر العربي الكلاسيكي، الفصيح منه والعامي، من مثل: (المديح، الوصف، الرثاء، إلخ...)، كما له وطنياته الشعرية، التي تبدو فيها الحكمة والحنكة السياسية، وقصائد له يبدو فيها متصوفاً باعتدال شعري، إضافة إلى مساجلات شعرية، مع كوكبة من شعراء العامية الإماراتية. على ضوء ذلك المدخل التعريفي بشاعرية المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «رحمه الله»، نذهب إلى قصيدة (الله عطانا خير وأنعام)، التي جمع فيها بين الوطنية والتصوف معاً، مع التأكيد على اللُّحمة المجتمعية المحلية والدولية، إذ تدور حول تقديم آيات الحمد والشكر لله تعالى على نعمة الوطن الإمارات، الدولة الحلم، الذي سعى إلى تحقيقه، رفقة أخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراه»، فكان لهما ما حلما به، بإرادة الله سبحانه وتعالى، لتكون «دولة الإمارات العربية المتحدة»، وطن قيادة وشعب سبع إمارات متصالحات، لتكون في ما بعد متحدات تحت راية واحدة.

في البدء، نُطلُّ على مطلع قصيدة استثنائية في حياة الشاعر المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، وفي مُجمل ديوان الشعر الإماراتي، حيث (الله عطانا خير وأنعام)، قصيدة شاعرية لشاعر وطني سياسي، مسؤول عن رعية سباعية الأضلاع، وشاعر يتمتع بحس إنساني مستمد من السنة النبوية المحمدية:

الله عطانا خير وأنعام

والحمد له واجب علينا

ياللي عطاني إيمان وإلهام

ومن فضله الظافي عطينا

واليوم صارت جنة أحلام

تزخر بفل وياسمينا

ودام الوطن تخطيط وأنعام

زان وتزخرف وبه بهينا

ويصل القول إلى لحظة تتجلى فيها سمة الدولة الإماراتية، ووصف لحالة الشعب الإماراتي، والمبدأ الإنساني والأخلاقي للوطن الإمارات (قيادة وحكومة وشعباً):

دولة تطور عز وإسلام

بين الأمم دولة بنينا

والشعب متهني بالأنعام

ومرتاح في هذي السنينا

هذي جهود أعوام وأعوام

نسعى لمجد له عنينا

شامخ وفيه ترف الأعلام

ونسعى لصلح المسلمينا

ليصل إلى خاتمة القصيدة، التي هي فاتحتها، كما هي عادة شعراء العامية، ليؤكد في ذلك على تقديم آيات الحمد والشكر لله تعالى على نعمة الدولة الإماراتية، من خلال مد يد العطاء، ليعم الخير لجميع العباد في أرجاء البلاد، سواء للشعب الإماراتي، أم لشعوب العالم أجمع، بما يُرضي الله ورسوله:

الله عطانا خير وأنعام

والحمد له واجب علينا

ياللي عطاني إيمان وإلهام

ومن فضله الظافي عطينا

وإذن، عبر إطلالة شمولية على قصيدة (الله عطانا خير وأنعام)، نجد القصيدة كما لو أنها تُرجمان لبعض مواد الدستور الإماراتي، الذي تم التوقيع عليه في إمارة دبي، في يوم الأحد 18 يوليو 1971 م.. من تلك:

المادة «6»: (الاتحاد جزء من الوطن العربي الكبير، تربطه به روابط الدين واللغة والتاريخ والمصير المشترك. وشعب الاتحاد شعب واحد، وهو جزء من الأمة العربية).

المادة «7»: (الإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع فيه، ولغة الاتحاد الرسمية هي اللغة العربية).

مكارم الأخلاق

وأكد الشاعر محمود نور، على أن المتأمل في قصائد المغفور له الشيخ زايدبن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لن يفوته أن يجد في ثنايا كلماتها وأبياتها، ما ينم عن حكمة بالغة، وخلاصة معرفة رصينة بشؤون الحياة، لا تخلو أي قصيدة للمغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، مهما كان غرضها، من الفائدة التي تتمثل في استخلاص مثال محكم الصياغة، أو توجيهٍ بليغ، أو حث على مكارم الأخلاق، وفي قصائد الشيخ زايد إسقاط لمشاعر نفس كريمة سامية مؤمنة.

بوصيك جانِكْ رجْل تِعْلَمْ

إتأنّ في أمْرٍ بتعنيه

اعمل بطيب وْزينٍ وفَهْم

ومَتْرى العَدِلْ يعْدِلْ براعيه

وصية ثمينة، من قائد حكيم بالتأني في الأمور التي تعنى بها، والعمل فيها بإخلاص وفهم وإتقان وعدل، فالعدل من شأنه أن يعود على صاحبه بالخير والصلاح.

دنيا ما احلى وطرها

فيها زهَتْ اْلانوار

كثْر الخير وشجرها

وتوفّرتْ الاثمار

وصف للطبيعة من رجل أحال الصحراء إلى واحاتٍ خضراء، وأنار ظلماتها بالإنارة التي تمتد على طرقاتها، وبيوتها زاهية تضيء جمال هذا الوطن العزيز، الذي كثر فيه الخير. إلى أن يقول:

نحمد لذي صوَّرْها

واوهَبْ لها الاخيار

وعظَّمْها في قدرها

بجاهٍ واعتبار

بروح مفعمة بالشكر والحمد لربها الخالق جل في علاه، الذي منّ على هذه الأرض الطيبة برجال أخيار وأعلى شأنها...وفي قصيدة «الصقور المخلصين» يرحب القائد الأب بأبنائه من حماة الوطن، إعلاءً لشأنهم، وتقديراً واعتزازاً بدورهم في الذود عن حياض الوطن الغالي:

مرحبا يا هلا حي بالشهامة

مرحبا بالصقور المخلصين

ضامنين الوطن صانوا احترامه

قدرهم عندنا عالي وثمين

إلى أن يقول:

من بلانا له الحزن وندامة

والفلس حقهم لو طامعين

بكل ثقة وعزة وإباء، يقول الذي يريد إلحاق الأذى ببلادنا، ليس له إلا الحزن والندامة والإفلاس، على ما سيلحق به.