شهد الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، محاضرة «الإنسان والمستقبل والتحديات المعاصرة» والتي استضافها مجلس صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أول من أمس.
وألقى الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف ثاني محاضرات شهر رمضان المبارك لهذا العام، في المجلس الرمضاني، بحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التسامح والتعايش، والعلامة عبدالله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، ورئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وعدد من معالي الوزراء والمسؤولين وأعضاء السلك الدبلوماسي في الدولة.
وركز المحاضر على 3 محاور رئيسة هي الإنسان والمستقبل، والإنسان والقيم الدينية والأخلاق الحضارية، والقيم الإنسانية وتحدياتها المعاصرة.
وأكد المحاضر أن الإمارات تعد من أولى الدول التي سعت نحو ترسيخ قيم التسامح والتعايش بين كل المجتمعات والأديان، ونشرها على شعوب العالم، لإنقاذ البشرية من الأزمات الحادة والأفكار المنحرفة، وهو ما تجلي في إعلانها في عام 2014 عن تأسيس مجلس حكماء المسلمين، بهدف المساهمة في تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة وغير المسلمة وتجنيبها عوامل الصراع والانقسام والتشرذم ونشر قيم التسامح والتعايش الإنساني وكذا تأسيسها لمنتدى أبوظبي للسلم.

وأشاد بجهود دولة الإمارات وقيادتها الحكيمة ورؤيتها السديدة في التخطيط للمستقبل لتقدم بذلك أنموذجاً متقدماً في «الأخوة الإنسانية»، وفي الوقت نفسه مشرفاً للعرب والمسلمين والإنسانية جمعاء في الوصول إلى الفضاء واستكشاف القمر وكوكب المريخ والتركيز على الابتكار والتفرد والتحديث والمرونة المؤسسية، لافتاً إلى أن عنوان المحاضرة يعكس رؤية ووعياً لدى دولة الإمارات، بأن الإنسان وتعزيز قيم المحبة والتآخي بين كل مجتمعات العالم يأتي على رأس أولوياتها.
وأكد وكيل الأزهر الشريف، أن احتضان أبوظبي لوثيقة الأخوة الإنسانية التي أطلقها شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان، وأقرتها الأمم المتحدة لتصبح الوثيقة الأهم في التاريخ الحديث، تؤكد أنه ليس من الصعب على شعوب العالم بأسره أن تحتكم إلى قيم إنسانية متفق عليها، دون المساس بالعقائد ولا الاعتداء على الخصوصيات.
وثيقة
وقال الدكتور محمد الضويني: «وثيقة الأخوة الإنسانية تضمنت قيماً نبيلة نصت عليها الشرائع السماوية كافة، فأكدت حق الإنسان في الحرية المسؤولة، سواء في العقيدة أم الفكر أم التعبير أم الممارسة، وأرست آداب التعامل في ظل التعددية والاختلاف في الدين واللون والجنس والعرق واللغة، ونادت بالحوار المبني على التسامح وقبول الآخر، وبإقامة العدل المبني على الرحمة، وبغير ذلك من المبادئ التي تضمن لبني الإنسان مقومات الحياة الكريمة، وتقدر في حال الالتزام باتباعها على تخليص الناس من المنغصات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تفسد عليهم بهجة الحياة».
وبدأت المحاضرة بسؤال إلى فضيلته حول نظرته لعلاقة الإنسان المعاصر بالمستقبل، أكد في رده أن العالم اليوم يمر بتحديات اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، وهذه التحديات لا تتوقف عند مكانٍ بعينه، فما تكاد تسمع بأزمة في ناحية من نواحي الأرض إلا وتظهر آثارها في نواحٍ أخرى.
وأوضح أن التحديات الاجتماعية في وقتنا الحاضر لا تقل عن التحديات الاقتصادية، فالمجتمع الدولي يعاني من تفكك واضطراب في نواته الصلبة، ألا وهي الأسرة، وباسم الحقوق والحريات خرجت علينا أصوات منكرة شرعاً وعقلاً، وراحت تنادي مرة بعلاقات تأباها الفطرة السوية، وتتناقض مع ناموس الكون الذي خلق الله فيه كل شيء ذكراً وأنثى، قال تعالى: «ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين لعلكم تذكرون». وتابع: إذا كانت البشرية تعاني من تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية، فإننا لو تأملنا هذه التحديات لأدركنا أنها في الأصل أزمة قيم أخلاقية، وأزمة غياب الروح في مقابل طغيان المادة، فكثير من المختصين في مجالات السياسة والاقتصاد والاجتماع والصحة والتصنيع بل والتعليم يحتاجون إلى مقاربة قيمية أخلاقية لتصحيح التصورات والممارسات على السواء.
تحديات
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت هذه التحديات قد تؤثر على العلاقة بالمستقبل والحلول المثلى للتعامل معها؟ أفاد أنه في ضوء ما يشهده الواقع من تحديات في مجالات الحياة كافة، أصبح الإنسان يعيش حالة غريبة، يسميها علماء الصحة النفسية «قلق المستقبل»، وانطلاقاً من عقيدتنا وإيماننا فإن الواجب علينا ألا نخاف من المستقبل، بل أن نخطط له في ضوء تجارب الماضي والحاضر، وأن نتبنى من القيم الإيمانية ما يدفع إلى العمل واكتشاف كنوز الكون، وحسن إدارة موارده.
ورداً على سؤال حول القيم الدينية والأخلاقية التي تحتاجها إدارة المستقبل في ضوء تحديات الواقع، أوضح أن علاج ما يحمله الواقع من تحديات، ومواجهة ما يحمله المستقبل من أخطار يوجب على الإنسانية كلها أن تتبنى مجموعة من القيم الدينية والأخلاق الحضارية، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن تلك القيم تلعب دوراً بارزاً في توجيه قرارات الإنسان واختياراته، وتنظيم سلوكياته، فضلاً عن كونها سبباً في انطلاق طاقاته الإبداعية.
وتابع: أما على مستوى المجتمع فإن منظومة القيم تعمل على تماسك المجتمع، وتحديد أهدافه العامة، وتحافظ على هويته، مما يحول دون ذوبان هذه المجتمعات في غيرها، مشيراً إلى أن قيم المساواة والعدالة التي جاء بها الإسلام كانت السبب الرئيسي في انفتاحه على غيره من الحضارات، فأثر فيها، لافتاً إلى أن الإسلام جعل من الإيجابية، قيمة مهمة يمكنها أن تصلح الكون لو التزمنا بها.
تعارف
وأكد أن حضارة الإسلام تعد حضارة تعارف وتواصل، وليست حضارة استعباد أو إقصاء، وإن الناس في عرف حضارة الإسلام، إخوة متساوون، فقبل 1400 عام، وفي ظل ما كانت تعانيه البشرية من ممارسات تمييز ضد المرأة والعبيد والفقراء والضعفاء، سمع حينها في ذلك الوقت لأول مرة هذا الإعلان القرآني الذي زلزل واقتلع التمييز من جذوره، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً... ). ونوه أن التاريخ يزخر بالعديد من المواقف التي تؤكد ذلك، مستشهداً بقصة امرأة من مصر خلّد التاريخ اسمها، عندما أرسلت كتاباً إلى عمر بن عبد العزيز تشير فيه إلى أن لها حائطاً قصيراً يتسوره اللصوص لسرقة دجاجها، وليس معها مال لبنائه، فكتب عمر إلى واليه على مصر أيوب بن شرحبيل، يأمره بأن يبني لها الحائط.
وحول إمكانية أن تتفق البشرية على مجموعة معينة من القيم، أفاد: أن هناك مجموعة من القيم الإنسانية تكاد تتفق عليها البشرية، وتراها ضمانة حقيقة لإنقاذ البشرية مما هي فيه، وهي تلك التي تتعلق بكرامة الإنسان وتربط بين البشر في إطار من الحقوق والحريات والتراحم والإخاء.
وشدد على أن القيم الإنسانية جاءت من رحم الدين، ومن هذا المنطلق جاءت جهود الرمزين الدينيين الأبرز في العالم فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف رئيس مجلس حكماء المسلمين، وقداسة البابا فرنسيس بابا الفاتيكان، اللذين قدما للعالم وثيقة أبوظبي التاريخية للأخوة الإنسانية برعاية كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، فقدما للعالم الوثيقة الأهم في التاريخ الإنساني الحديث، بهدف تعزيز قيم التعارف والتعايش، والتواصل والحوار.
وصايا
قدم المحاضر عدداً من الوصايا، أشار خلالها إلى وجود فرصة سانحة لأمتنا لتقوم بواجبها تجاه الإنسانية بما قدمه التراث الإسلامي والعربي من ثروة فكرية وعلمية، استطاعت أن تدير حضارة شهدت لها الدنيا وهي قادرة أن تعود لأمجادها، معرباً عن أمله بأن يكتب التاريخ عن العرب والمسلمين في سجلاته التي لا يمحوها تغير العصور أنهم كانوا جديرين بوراثة رسالة رسول الله، وأنهم نجحوا في استخدام الإسلام وأخلاقياته في حل مشكلات وتحديات الإنسانية.

