تعج منصات التواصل الاجتماعي على اختلافها، بتحديات يتنافس من خلالها الأطفال والمراهقون والشباب على تنفيذها وتقليدها لإثبات شجاعتهم، وكنوع من التسلية، دون معرفة العواقب التي تسلبهم أحياناً صحتهم وعافيتهم، وأحياناً يقعون ضحايا تلك التحديات التي يكون مصيرها الموت.

وتتمثل فكرة التحديات بالقيام بخدع مختلفة ومتنوعة ينفذ فيها المستخدم بعض الحركات الخطرة، مع استعمال بعض التأثيرات والأدوات الموجودة بتطبيقات تلك المنصات لجعل المقطع يحصد أعلى المشاهدات إلى أن يصبح «ترند»، لا سيما أن بعض تلك المنصات تتضمن أيضاً أساليب تُرغّب وتشجع الطفل أو المراهق على التفاعل معها وتطبيق تحدياتها.
وعلى سبيل المثال، تحدي التعتيم الذي تهافت المراهقون على تنفيذه من خلال جلوسهم في مكان مظلم، ثم كتم النفس عبر ربط وشاح على الرقبة، والبقاء على هذا الوضع إلى حين انقطاع الأوكسجين وفقدان الوعي، كل هذا يكون أمام كاميرا ترصد وتوثق هذه اللّحظات.
ويبرز تساءل كبير حول دور أولياء الأمور في حماية أطفالهم من المخاطر المحدقة بهم على مواقع التّواصل الاجتماعي.
عقوبة
ووفقاً للقانون، فإن مثل هذا التقليد يقود المحرض عليه إلى السجن والغرامة، فالمادة (66) من قانون حقوق الطفل تعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي لا تقل عن مائة ألف درهم ولا تزيد على 400 ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من خالف أياً من أحكام المادة 26.
المادة 26 نصت على حظر نشر أو عرض أو تداول أو حيازة أو إنتاج أي مصنفات مرئية أو مسموعة أو مطبوعة أو ألعاب موجهة للطفل تزين له السلوكيات المخالفة للنظام العام والآداب العامة، أو يكون من شأنها التشجيع على الانحراف في السلوك.
وفي هذا الإطار، قال الأكاديمي الدكتور علي الكعبي، إن انتشار تحديات منصات التواصل الاجتماعي الخطيرة، والتي وصلت لمرحلة سلب المستخدمين حياتهم، لا سيما الأطفال والمراهقين، يحتم على الأهل اتخاذ إجراءات صارمة لحماية أطفالهم، بأن يكون هناك توجيه في مرحلة الطفولة بطريقة صحيحة بإبعاد الطفل عن عالم التطبيقات المؤذية والسلبية.
توعية
وأكد ضرورة توعية أطفالهم ومراهقيهم حول ما يجب فعله أو تجنبه، ومناقشتهم حول تلك المنصات وما تتضمنه من تحديات غير مقبولة، وكيفية التعامل معها، وتوعيتهم حول البرامج والسّلوكيات التي يجب الابتعاد عنها، ومناقشتهم في الوقت ذاته حول تأثيراتها السلبية.
كما أوضح الطبيب والباحث في الصحة النفسية الدكتور محمد الأحبابي أن التحديات التي يتم عرضها والمنافسة على تقليدها وتوثيقها بالتصوير لاقت رواجاً كبيراً وخصوصاً بين صغار السن والمراهقين، حيث يشكلون غالبية المستخدمين، وهناك الكثير من صانعي المحتوى الإيجابي.
إلا أن المحتوى السلبي موجود أيضاً وأثره المؤذي على أصحابه واضح للجميع، ذاكراً بعض الأمثلة المهمة لبعض الجوانب الواجب وضعها نصب الأعين كآباء، إذ تحتوي بعض التحديات على عمل مخاطرات قد تودي بحياة مستخدمها، وفعلاً تم تسجيل الكثير من حالات الوفيات على مستوى العالم، كحادثة وفاة حصلت في الولايات المتحدة لفتاتين تبلغان 8 و9 سنوات بسبب تحدي التعتيم الذي يحتوي على شكل من أشكال الخنق الذاتي.
حذر

وتابع: من واجبنا كآباء أن نوعي ونحذر أبناءنا من الخوض في مثل هذه التحديات المميتة.
وزاد: يعد التنمر إحدى الظواهر السلبية المنتشرة بكثرة بالمنصات، وتحديداً التنمر على العرق والشكل واللون، فكم رأينا قذفاً بألقاب مهينة وسخريةً وتهديداً يمارسه بعض المستخدمين على الآخرين، ولهذه الظاهرة أثر كبير على الصحة النفسية لأبنائنا، فقد تساهم في تعرضهم للاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة وحتى خطر الأفكار الانتحارية.
وهذا ما أشارت إليه الكثير من الدراسات الرصينة في الطب النفسي، وللأسف هناك بعض المنصات التي تحفز المقارنات المجحفة وحب الظاهرة التي تسودها، وكل هذه الأمور قد تزرع في مستخدميها حالة من اليأس وعدم الرضا عن النفس.
وأوضحت الباحثة موزة القبيسي أن المراهقين والأطفال يميلون لاكتشاف منصات التواصل الاجتماعي، والتعرف على أشياء وتجارب جديدة من خلالها، وهو ما يبرر ربما مشاركتهم في تحديات خطيرة ينفذونها باندفاع ودون التفكير في العواقب.
وأضافت: «وصلنا لمرحلة ضرورة وضع إجراءات قانونية تحول دون المراهقين والأطفال ضحايا تلك المنصات بما فيها من تحديات».
ولفتت القبيسي إلى أن المشكلة تكمن في الاستخدام السيئ لتلك التطبيقات، الأمر الذي يستلزم على أولياء الأمور فرض رقابة على الأطفال والمراهقين في تعاملهم مع هذه الوسائل، في مقابل أن هناك فئة من الأسر تحرص على إرشاد أطفالها على الاستخدام الإيجابي والصحي لتلك التطبيقات بما يعود عليهم بالفائدة.
وأضافت: «ينبغي اعتماد أسلوب تربية حديث يقوم على الجمع بين الحفاظ على العادات والتقاليد والقيم، وفي الوقت نفسه معرفة كل جديد على مواقع التواصل الاجتماعي لتسهيل التقرب للأبناء وفهم ما يستخدمونه من وسائل حديثة، مع التركيز على غرس قيمة الرقابة الذاتية للأطفال على أنفسهم».
ولفتت الدكتورة نعيمة عبداللطيف قاسم، مستشارة تربوية، إلى استغرابها من انتشار تحدي تبادل الأحكام على إحدى منصات التواصل، حيث تتم عملية تبادل الأحكام خلال بث مباشر.
وعلى الآخر تنفيذ الحكم، أياً كان نوع الخطر الذي قد يصيبه، إضافة إلى «تحدي البروتين»، إذ يجري تناول ملعقة جافة من مسحوق «البروتين»، والذي يتناوله الرياضيون عادة مخلوطاً مع المياه قبل التمارين الرياضية، ويأتي خطورة هذا التحدي من المضاعفات التي قد يتعرض لها المشاركون من المراهقين.
تحديات
وشددت على أن هذه التحديات تتسبب في نتائج كارثية، ويتحتم على الآباء والأمهات حماية أبنائهم من خطورتها، ولا يمنع مطلقاً من إطلاق حملات توعية للطلاب وأولياء الأمور في المدارس، إذ تسبب التحديات اكتئاباً للشباب عندما يفشلون في تنفيذ الخدع المطلوبة، وليس هذا فحسب، إذ تشجع هذه التحديات على سلوكيات خطرة ومؤذية، قد تؤدي في النهاية للإصابة بأضرار بالغة.
وقالت الدكتورة رانيا محمد حسن، مستشارة تربوية، ومدربة معتمدة في المجال التربوي: «للأسف الشديد نسمع بين حين وآخر عن نتائج تلك التحديات، كطفل أصيب بالاختناق بسبب تحدي كيسٍ بلاستيكي، ومراهق يتعرض لملاحقة العدالة بسبب اتجارٍ غير مشروع جره إليه بريق الشهرة أو مغريات المال.
وعلى الطرف الآخر نرى تسابق المشاهير في استقطاب أنظار أطفالنا ومراهقينا من خلال أعمال شاذة غير مقبولة، ورغم كل هذا لا نستطيع أن نحرم أبناءنا من منافع هذه المواقع وتحفيزها على الأمور الإيجابية كمسابقات القراءة والكتابة والابتكار، والتي تتحول فيها هذه المواقع لساحات منافسة إيجابية».
وناشدت كل تربوي ومسؤول وولي أمر موكل بأمور أبنائه، أن يكون رقيباً إيجابياً على ما يراه ويسمعه الأبناء.
وذكر خالد المازمي، الباحث القانوني، أنه في حال قيام أي من رواد التواصل الاجتماعي بتحريض الأطفال على أذية أنفسهم، والتي تعتبر حالة من حالات الجنوح وفقاً لنص المادة 32 من قانون الأحداث والجانحين، ووفقاً للمادة 42 من ذات القانون يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي لا تقل عن 50 ألف درهم كل من عرض حدثاً لإحدى حالات الجنوح بأن ساعده أو حرضه على سلوكها أو سهلها له بأي وجه من الوجوه، ولو لم تتحقق حالة الجنوح قانوناً.
وأضاف المازمي: ومن ناحية المسؤولية القانونية فإن بعض التحديات بها تحريض على مخالفة القوانين والتشريعات، وفي حال قيام الأبناء بارتكاب أفعال تعتبر جرائم معاقباً عليها وفقاً لقانون الجرائم والعقوبات فيعتبر من حرضه شريكاً بالتسبب في الجريمة استناداً إلى المادة 46 من ذات القانون.
بحيث يعد شريكاً بالتسبب من حرض على ارتكابها فوقعت بناء على هذا التحريض، ويعاقب بذات العقوبة المقررة للفعل المجرم.
ولفت المازمي إلى مسؤولية الوالدين الرقابية على الأبناء وضرورة متابعتهم، ومتابعة ما يستخدمونه من برامج على مواقع التواصل الاجتماعي باختلافها، لأن القانون ألزمهما برعاية الأبناء كما نصت المادة (15) من قانون حقوق الطفل وديمة، بحيث يلتزم القائم على رعاية الطفل بتحمل المسؤوليات والواجبات المنوطة به في تربية الطفل ورعايته وتوجيهه وإرشاده على الوجه الأفضل.
إفراط سلبي
أكد التربوي أيمن النقيب، أنه لا يمكن إغفال أهمية وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الإفراط في استخدام تلك المنصات له آثار سلبية لا تقل عن الإيجابية.
وأضاف: هذا العالم الافتراضي عند إساءة الاستخدام يجعل جزءاً كبيراً من حياتنا متاحاً للجميع، ويجعلنا نتأثر بالآخرين، ويُدخل علينا الأفكار التي تؤثر فينا بشكل غير مباشر، خاصة فئة الأطفال الذين يتطلعون لاكتساب الخبرات التي تصقل شخصيتهم وخبراتهم فيكون للمحتوى الذي ينقل عبر هذه المنصات تأثير كبير في ذواتهم.
ومهما حاولنا الرقابة وابتكرنا طرقاً متنوعة لها ستتسرب لأطفالنا هذه الأمور، وأرى أن الحل يكمن في بناء الوعي لديهم وترسيخ الهوية التي تجعلهم يتقبلون الأفكار المفيدة ويتجنبون أضرار وسائل التواصل الاجتماعي.
